تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
عمران : 59 ] ثم فسر المثل بقوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح . والمعنى أقدّر لكم شيئا مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته .
فَأَنْفُخُ فِيهِ
أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير
فَيَكُونُ طَيْراً
وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع . يروى أنه خلق أنواعا من الطير . وقيل : لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ طائرا وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طينا وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض . قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتا بإذن اللّه . وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين : دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفح . وهاهنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه تعالى أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا ، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض ، فكانت نفخة عيسى سببا لحصول الأرواح في الأجساد ؟ أو يقال : ليس الأمر كذلك بل اللّه تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ؟ وهذا هو الحق لقوله تعالى
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
[ الملك : 2 ] ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ
ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى . وقيل : هو الممسوح العين . ويقال : لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير . وقيل : الأكمه من عمي بعد أن كان بصيرا ، رواه الخليل . وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل . وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن ، وقد لا يعم البدن . وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه ، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه . وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه . وإن كان ذلك الدم جيدا في جوهره نقيا من البلغم حارا هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه . والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما . والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض ، وإذا أخذ جلده بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة ، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز . يروى : ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتى عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده
وَأُحْيِ الْمَوْتى
أحيا عاذرا وكان صديقا له ، ودعا
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 165 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات