تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك . والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك . في بعض الكتب « أنا اللّه ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة . وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم » وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم « كما تكونوا يولى عليكم » والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك ، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ
كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا ، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت ، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق ، وكل ذلك بتيسير اللّه تعالى وتقديره
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء . وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة ، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير ، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني . وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله :
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ولأن الخير يصدر عن الحكيم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير .
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
وذلك بأن يجعل الليل قصيرا ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس . ففي كل منهما قوام العالم ونظامه ، أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار ، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه . فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه .
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
المؤمن من الكافر
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 22 ] أي كافرا فهديناه . أو الطيب من الخبيث ، أو الحيوان من النطفة ، أو الطير من البيضة وبالعكس . والنطفة تسمى ميتا
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] أو يخرج السنبلة من الحبة ، والنخلة من النواة وبالعكس . فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء
يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الحديد : 17 ]
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
تقدم مثله في البقرة . وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 138 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات