تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم . ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر اللّه أردفه بشريطة الشفقة على خلق اللّه ، أو نقول : لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله ، بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ
بالجزم ، ولكن كسر الذال للساكنين . قال الزجاج : ولو رفع على الخبر جاز ، ولكنه لم يقرأ . والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر . وقوله :
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين . عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون نفرا من الأنصار يفتنونهم عن دينهم . فقال رفاعة بن المنذر وعبد اللّه بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود . فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت هذه الآية . وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك : نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا نقيبا ، وكان له حلفاء من اليهود . فلما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي اللّه ، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فنزلت . وقال الكلبي : نزلت في المنافقين - عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم . وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة
لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
[ آل عمران : 118 ]
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
[ المائدة : 51 ]
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ المجادلة : 22 ] وكون المؤمن مواليا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون راضيا بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه . والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك ، ولهذا قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل ، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذرا من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين ، فلا جرم هدد فقال :
مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ
أي من ولايته أو من دينه
فِي شَيْءٍ
يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية اللّه رأسا ، وهذا كالبيان لقوله :
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول ، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال :
تود عدوّي ثم تزعم أنني * صديقك ليس النوك عنك بعازب