اللّه تعالى . ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله :
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك . فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل . وهذا الملك قيل : ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق ، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق . والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين . ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشرا
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 94 ] ومن المجوّزين من كان يقول إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم ؟
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وكانت اليهود تقول : النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها .
وقد روينا في تفسير قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
[ آل عمران : 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي صلى اللّه عليه وسلم بكثرة عددهم وعددهم فرد اللّه تعالى على جميع هؤلاء الطوائف بأنه سبحانه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء ، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب ، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط . ومثله
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
[ الأعراف : 88 ] مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها . وقيل : المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه ، وهو أن يكون مهيبا عند الناس وجيها غالبا مظفرا مطاعا . ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء اللّه تعالى . فكم من عاقل قليل المال ، ورب جاهل غافل رخي البال ، وقد رأينا كثيرا من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولا ، فعلمنا أن الكل بإيتاء اللّه تعالى سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور ، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع ، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له . فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور .
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني * بتخوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى * ضدان مفترقان أيّ تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق