تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الثالثة : عباداتهم أدوم
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
وخير الأعمال أدومها ، مع أن أعمارهم أكثر . وعلى الآية سؤال . روي عن عبد اللّه بن الحرث بن نوفل قال : قلت لكعب : أرأيت قول اللّه عزّ وجل
لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] ثم قال
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
[ فاطر : 1 ] أولئك عليهم لعنة اللّه والملائكة ، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح ؟ فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر ، فكذلك التسبيح لهم . وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام ، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام ، فاجتماعهما في آلة واحدة محال . وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون اللّه تعالى ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر ، وبأن ثناء اللّه يستلزم تبعيد من اعتقد في اللّه ما لا ينبغي ، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال : فلان يواظب على الجماعات . يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها . ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثوابا من ثواب طاعاتهم . الرابعة : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
[ الواقعة : 10 ، 11 ] « من سن حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها » « 1 » . الخامسة : الملائكة رسل إلى الأنبياء
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ]
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[ الشعراء : 193 ] والرسول أفضل من الأمة قياسا على الشاهد . ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكما على المرسل إليهم ومتوليا لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم ، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبدا من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر . السادسة : أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 50 ] مع وجود شهوة الترفع والرئاسة فيهم ولهذا قالوا
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع ، فوجب أن يكونوا أفضل
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرئاسة شهوة البطن والفرج أيضا . السابعة :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[ النساء : 172 ] خرج الثاني مخرج التأكيد للأول . ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب العلم حديث 15 . النسائي في كتاب الزكاة باب 64 . أحمد في مسنده ( 4 / 357 ، 359 ) .