ولمّا انفعلت اليبوسة والرّطوبة عن الحرارة والبرودة طلبت الإرادة اليبوسة لأنّها في مرتبتها ، ولمّا كانت القدرة مالها تعلّق إلّا بالإيجاد خاصّة كان الأحق بها طبع الحياة وهي الحرارة والرّطوبة في الأجسام ، وظهرت الصّور والأشكال في الهباء والجسم الكلّ فظهرت السّماء والأرض مرتوقة غير متميّزة .
ثمّ إنّ اللّه تعالى توجّه إلى فتق هذا الرّتق ليميّز أعيانها وكان الأصل الباقي وجودها ، ولهذا قال :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ سورة الأنبياء : 30 ] .
ولحياته وصف بالتّسبيح ، فنظم اللّه أوّلا هذه الطبائع الأربع نظما مخصوصا ، فضمّ الحرارة إلى اليبوسة فكانت النار البسيطة المعقولة فظهر حكمها في جسم العرش الّذي هو الفلك الأقصى والجسم الكلّ في ثلاثة أماكن ، منها المكان الواحد سمّاه حملا ، والمكان الثاني وهو الخامس من الأمكنة المقدّرة فيه سمّاه أسدا ، والمكان الثالث وهو التّاسع من الأمكنة المقدّرة فيه سمّاه قوسا .
ثمّ ضمّ البرودة إلى اليبوسة ، وأظهر سلطانهما في ثلاثة أمكنة من هذا الفلك وهو التّراب البسيط المعقول فسمّى المكان الواحد ثورا ، والآخر سنبلة ، والثّالث جديا .
ثمّ ضمّ الحرارة إلى الرّطوبة فكان الهواء البسيط المعقول ، وأظهر حكمه في ثلاثة أمكنة من هذا الفلك الأقصى سمّى المكان الواحد منه الجوزاء ، والآخر الميزان ، والثالث الدالي .
هامش
- فقال يا محمّد ، قلت لبّيك ربّ ، قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : في الكفارات ، قال ما هنّ ؟ قلت : مشي الأقدام إلى الحسنات ، والجلوس في المساجد بعد الصّلوات ، وإسباغ الوضوء حين الكريهات ، قال فيم ، قلت : اطعام الطعام ، ولين الكلام ، والصّلاة باللّيل والنّاس نيام ، قال : سل ، قل اللّهمّ إنّي أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبّ المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة قوم ، فتوفّني غير مفتون ، أسألك حبّك وحبّ من يحبّك ، وحبّ عمل يقرّب إلى حبّك .
قال رسول اللّه ( ص ) : إنّها حقّ فادرسوها ثمّ تعلّموها .
وأخرج ابن حنبل مثله في ج 5 ، ص 243 .