يخاطب نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يجعل للآخرة مدّة ينتهى إليها بقاؤها ، فلها البقاء الدّائم .
وجعل سقف الجنّة هذا الفلك وهو العرش عند الّذي لا تتعيّن حركته ولا تتميّز ، محركته دائمة لا تنقضي ، وما من خلق ذكرناه خلق إلّا وتعلّق القصد الثّاني منه وجود الإنسان الّذي هو الخليفة في العالم ، وإنّما قلت : القصد الثّاني ، إذ كان القصد الأوّل معرفة الحقّ وعبادته الّتي لها خلق العالم كلّه ، فما « من شيء إلّا وهو يسبّح بحمده » ، ومعنى القصد الثّاني والأوّل : التعلّق الإرادي لا حدوث الإرادة ، لأنّ الإرادة للّه صفة قديمة أزليّة اتصفت بها ذاته ، كسائر صفاته .
ولمّا خلق اللّه هذه الأفلاك والسّموات ، وأوحى في كلّ سماء أمرها ، ورتّب فيها أنوارها وسرجها ، وعمرها بملائكته ، وحرّكها ( اللّه ) تعالى ، فتحرّكت طائعة للّه ، آتية إليه طلبا للكمال في العبوديّة الّتي تليق بها ، لأنّه تعالى دعاها ، ودعا الأرض ، فقال لها وللأرض :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
[ سورة فصّلت : 11 ] .
لأمر حدّ لهما ،
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[ سورة فصّلت : 11 ] .
فهما آتيان أبدا ، فلا تزالا متحرّكتين ، غير أنّ حركة الأرض خفّيه عندنا وحركتها حول الوسط ، لأنّها أكر ، فأمّا السّماء فأتت طائعة عند أمر اللّه لها بالإتيان ، وأمّا الأرض فأتت طائعة لمّا علمت نفسها مقهورة ، وأنّه لا بدّ أن يؤتي بها بقوله تعالى :
أَوْ كَرْهاً *
، فكانت المراد بقوله تعالى :
أَوْ كَرْهاً *
، فأتت طائعة كرها .
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ سورة فصّلت :
12 ] .
( خلق الأرض وتقدير أقواتها )
وقد كان خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها من أجل المولّدات ، فجعلها خزانة لأقواتهم ، فكان من تقدير أقواتها وجود الماء والهواء والنّار ، وباقي ذلك من البخارات