تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
بالمادّة الأولى ، لأنّ اللّه تعالى خلق الأشياء على ضربين : منها ما خلق من غير واسطة سبب وجعله سببا لخلق شيء آخر والإعتقاد الصحيح أنّه تعالى يخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب خلافا لمخالفي أهل الحقّ ، والّذي يصحّ أنّ أوّل موجود مخلوق من غير سبب متقدّم ، ثمّ صار سببا لغيره ومادّة له ومتوقفا ذلك الغير عليه أي على العقل الأوّل الّذي تقدّم كتوقف الشبع على الأكل ، والريّ على الشرب عادة ، وكتوقّف العالم على العلم والحياة على الحيّ عقلا ، وكتوقف الثواب على فعل الطاعة والعقاب على المعصية شرعا ، فلمّا لحظوا هذا المعنى سمّوه بالمادّة الأولى وهو حسن ولا حرج عليهم في ذلك لا شرعا ولا عقلا . وعبّر عنه بعضهم « بالعرش » ، والّذي حملهم على ذلك أنّه لمّا كان العرش محيطا بالعالم في قول ، أو هو جملة العالم في قول آخر ، وهو منبع إيجاد الأمر والنهي ، ووجدوا هذا الموجود المذكور آنفا يشبه العرش من هذا الوجه أعني الإيجاد والإحاطة فسمّوه بالعرش ، فكما أنّ العرش محيط بالعالم وهو الفلك التاسع ( في مذهب قوم ) كذلك هذا الخليفة محيط بالعالم الإنساني ، ألا ترى قوله تعالى :
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ سورة طه : 5 ] . في معرض التمدّح فلو كان في المخلوقات أعظم منه لم يكن ذلك تمدّحا . سرّ للخواص ، لكن هاهنا سرّ نرمزه ليلتذّ به صاحبه إذا وقف عليه وقو قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ سورة طه : 5 ] . والعرش المذكور في هذه الآية « مستوى الرّحمن » وهو محلّ الصفة والخليفة الّذي سمّيناه عرشا حملا على هذا « مستوى اللّه » جلّ جلاله ، فبين العرشين ما بين اللّه والرّحمن وإن كان أيّاما تدعوا فله الأسماء الحسنى ، فلا خفاء عند أهل الأسرار فيما ذكرناه ، وحدّ الاستواء من هذا العرش المرموز قوله صلّى اللّه عليه وآله : « خلق اللّه تعالى آدم على صورته » « 187 » .
هامش
( 187 ) قوله : خلق اللّه الآدم على صورته .