أنحاء الوجود ، كلّ ذلك يدلّ على كمال رحمة اللّه بخلقه وشمول عنايته لهم ، إذ كان جميع ما ذكرناه من المنافع الحاصلة في هذا العالم مستندة إلى علوّ تدبيره وكمال حكمته كما قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
[ سورة إبراهيم : 33 - 34 ] .
لا يقال : السئوال على ما ذكرتم من وجهين :
أحدهما ، أنّ الترتيب الّذي ذكرتموه في تخصيص كلّ فلك ببعض الكواكب يشكل بقوله تعالى :
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ
[ سورة الصافات : 6 ] .
وقوله تعالى :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[ سورة الملك : 5 ] .
الثاني ، أنّ الشهب الثواقب الّتي جعلت رجوما للشياطين على ما نطق به القرآن الكريم ، إمّا أن يكون من الكواكب الّتي زيّنت بها السّماء أو لا تكون ، والأوّل باطل ، لأنّ هذه الشهب تبطل بالانقضاض وتضمحلّ فكان يلزم من ذلك على مرور الزمان فناء الكواكب ونقصان أعدادها ، ومعلوم أنّه لم يوجد ذلك النقصان البتة . والثاني أنّه يشكل بقوله تعالى :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[ سورة الملك :
5 ] .
فإنّه نصّ على كون الشهب الّتي جعلت رجوما للشياطين هي تلك المصابيح والكواكب الّتي زيّنت بها السّماء .
لأنّا نجيب عن الأوّل : بأنّه لا تنافي بين ظاهر الآية وبين ما ذكرناه ، وذلك أنّ السّماء الدّنيا لمّا كانت لا تحجب ضوء الكواكب وكانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السماء ومشاهدة الكواكب بكونها مزيّنة بها لا جرم صحّ قوله تعالى :