ذلك أنّ الماء لمّا كان مقرّ الريح الّذي انتهت إليه وعملت في تحريكه كان ذلك هو مربّها أي الموضع الّذي لزمته وأقامت به ، فقوله : وأدام مربّها أي أدام حركة الماء واضطرابه ومخضه وهو محلّ إربابها ، ويحتمل أن يكون قد استعمل اسم الموضع استعمال المصدر ، والتقدير : أدام إربابها أي ملازمتها لتحريك الماء ، وأيضا فيحتمل أن يكون قد شبّهها في كونها سببا للآثار الخيريّة ، وفي كثرتها وقوّتها بالديمة فكان محلّها ومقرّها الّذي يصل إليه ويقيم به ، قد أدامه اللّه أي سقاه اللّه ديمة .
وقوله : وأبعد منشأها ، قال : أي أبعد ارتفاعها .
قلت : المنشأ محلّ النّشوء وهو الموضع الّذي أنشأها منه فلا يفهم منه الارتفاع اللّهم إلّا على تقدير استعماله لموضع الإنشاء استعمال المصدر أي بلغ بإنشائها غاية بعيدة ، والأقرب أنّه يشير إلى أنّها نشأت من مبدأ بعيد ولا يمكن الوقوف على أوّله وهو قدرة الحقّ سبحانه وجوده .
وقوله : وأمرها .
قال رحمه اللّه : أمر الموكّلين بها من الملائكة بضرب الماء بعضه بعضا ، وتحريكه لمخض اللبن للزّبد وأطلق الأمر عليها مجازا ، لأنّ الحكيم لا يأمر الجماد .
قلت : ( بل ) حمله على أمر الريح أولى لأنّ في التقدير الّذي ذكره يكون التجوّز في لفظ الأمر لعدم القول المخصوص هناك فيحمل على قهر ملائكتها وفي نسبته إلى الرّيح أيضا ( مجاز ) إذا أريد ملائكتها ، أمّا إذا حملناه على ظاهره كان التجوّز في لفظ الأمر دون النسبة فكان أولى .
وقوله : مخض السقاء وعصفها بالفضاء .
أي ومثل مخض السقاء ومثل عصفها ، فحذف المضاف الّذي هو صفة المصدر وأقام
هامش
- الكيدري وابن أبي الحديد وابن ميثم البحراني وغيرها من شروح نهج البلاغة ، ونقل عنه المجلسيّ في البحار أيضا ، راجع « البحار » ج 105 ، ص 235 ، و « الذريعة » ج 14 ، ص 126 ، و « أعيان الشيعة » ج 7 ، ص 239 وص 260 ، وغيرها من الكتب التراجم .
وقد تقدّم أيضا ترجمته في تعليقتنا الرّقم 59 .