بما هو كذلك في نفس الأمر ، وذلك غير ممكن في حقّ الواجب الوجود سبحانه إلّا بتعقّل حقيقته وما لها من صفات الجلال ونعوت الكمال كما هي ، وعقول البشر قاصرة عن هذا المقام ، فالقول وإن صدر عن المادحين بصورة المدح المتعارف بينهم وعلى ما هود دأبهم من وصفة تعالى بما هو أشرف من طرفي النقيض فليس بكمال مدحه في نفس الأمر لعدم اطّلاعهم على ما به يكون المدح الحقّ في حقّه تعالى وإن تصوّر بصورة المدح الحقّ وأشار إلى تأديب الخلق وتنبيههم على بطلان ما تحكّم به أوهامهم في حقّه تعالى من الصّفات وأنّه ليس الأمر كما حكمت به إذ قال في موضع آخر ، وقد سأله بعضهم عن التّوحيد فقال :
( في معنى التوحيد )
« التّوحيد أن لا تتوهّمه » . [ نهج البلاغة ( فيض ) ، الحكمة : 462 ، ( صبحي ) : 470 ] .
فجعل التّوحيد عبارة عن سلب الحكم الوهميّ في حقّه تعالى ، فاستلزم ذلك أنّ من أجرى عليه حكما وهميّا فليس بموحّد له على الحقيقة ، ومن هذا قال في موضع آخر إذا سئل عن التّوحيد والحقيقة الكلّيّة :
محو الموهوم مع صحو المعلوم « 68 » .
هامش
( 68 ) قوله : محو الموهوم مع صحو المعلوم .
قال السيّد المؤلّف في كتابه العزيز « جامع الأسرار » ص 28 :
أنّه مرويّ عن كميل أنّه سأل أمير المؤمنين عليّا ( ع ) عن « الحقيقة » بقوله :
« ما الحقيقة ؟ » فقال عليه السّلام له : « مالك والحقيقة ؟ » يعني : من أنت والسئوال عن الحقيقة ، ولست بأهلها ، فقال كميل : « أو لست صاحب سرّك ؟ » قال : « بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح منّي » يعني نعم ، أنت صاحب سرّي ومن أخصّ تلامذتي ، ولكن لست بأهل لمثل هذا السّر والاطّلاع عليه ، لأنّه « شرح عليك عليك ما يطفح منّي » ويضرّك ويضرّني لأنّ ظرفك لا يحتمل فوق قدرك ، وأنا مأمور بوضع الشيء موضعه .
فقال كميل : « أو مثلك يخيب سائلا » ؟ -