تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وجواب آخر : عن أصل السؤال : أنه يجوز أن يكون قد أعطى جميع السائلين بعضا من كلّ فرد مما سأله جميعهم ، وبهذا المقدار يصح الإخبار في الآية وإن لم يعط كل واحد من السائلين بعضا من كل فرد مما سأله ذاك ، وإيضاح ذلك أن يكون هذا قد أعطي شيئا مما سأله ذاك ، وأعطي ذاك شيئا مما سأله هذا على ما اقتضته الحكمة والمصلحة في حقهما ، كما أعطي النبيّ عليه الصلاة والسلام الرؤية ليلة المعراج وهي مسؤول موسى عليه السلام وما أشبه ذلك . [ 520 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] والإحصاء والعد بمعنى واحد كذا نقله الجوهري ، فيكون المعنى وإن تعدوا نعمة اللّه لا تعدوها ، وهو متناقض كقولك : إن تر زيدا لا تبصره ، إذ الرؤية والإبصار واحد ؟ قلنا : بعض المفسرين فسّر الإحصاء بالحصر ، فإن صحّ ذلك لغة ، اندفع السؤال . ويؤيّد ذلك قول الزّمخشري لا تحصوها ، أي لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها ، وعلى القول الأول فيه إضمار تقديره : وإن تريدوا عد نعمة اللّه لا تعدوها . [ 521 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] وهو يوهم أن نعم اللّه غير متناهية ، وكل نعمة ممتن بها علينا فهي مخلوقة ، وكل مخلوق متناه ؟ قلنا : لا نسلم أنه يوهم أنها لا تتناهى ، وذلك لأن المفهوم منه منحصر في أنا لا نطيق عدّها أو حصر عددها ، ويجوز أن يكون الشيء متناهيا في نفسه ، والإنسان لا يطيق عدّه كرمل القفار وقطر البحار وورق الأشجار وما أشبه ذلك . [ 522 ] فإن قيل : كيف قال إبراهيم عليه السلام :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] وعبادة الأصنام كفر ، والأنبياء معصومون عن الكفر بإجماع الأمة ، فكيف حسن منه هذا السؤال ؟ قلنا : إنما سأل هذا السؤال في حالة خوف أذهله عن ذلك العلم ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام أعلم الناس باللّه فيكونون أخوفهم منه فيكون معذورا بسبب ذلك . وقيل إن في حكمة اللّه تعالى وعلمه أن لا يبتلي نبيا من الأنبياء بالكفر بشرط أن يكون متضرعا إلى ربه طالبا منه ذلك ، فأجرى على لسانه هذا السؤال لتحقيق شرط العصمة . [ 523 ] فإن قيل : كيف قال :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
[ إبراهيم : 36 ] جعل الأصنام مضلة . والمضل ضار . وقال في موضع آخر :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
[ يونس : 18 ] ، ونظائره كثيرة فكيف التوفيق بينهما ؟