منك أين الغالب وأين المغلوب ، إذا كان الحق صرفا ينطق ويسكت معناه أني مغلوب فانتصر اللّه غالبه وهازمه .
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 11 إلى 16 ]
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 )
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 )
قوله تعالى :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
: كما أنزل اللّه الماء من سماء الظاء الظاهرة ونبع من الأرض الظاهرة فتح سماء الغيب على قلوب العارفين بمياه الكواشف والمعارف ، وفتح عيون قلوبهم بمياه الحكمة والمحبة ، فإذا وصل مياه المشاهدة إلى مياه المحبة استغرق فيها جنود النفس والهوى ، ولا يبقى أثرها ، فإذا أزاد الكشف والعيان وامتلأ بحر العيان يستشرف الأرواح على الفناء فيها ، فيدخلها اللّه في سنن العصمة ، ويجريها بشمال العناية ، وذلك قوله :
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ
: ألواح العناية ودسر الكفاية ، وتجري بعين الكلاءة في بحار الأزلية والأبدية بقوله :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 1 » أي : تجري بعيون عنايتنا على عيون بحر الذات والصفات ، يحفظها بي عني ، حتى تستمع بمشاهدتي بي ، ولا ينقطع عني بي ، وهذا بيان محل الفناء والبقاء ، وافهم أن الأنبياء والأولياء سفن عنايته يتخلص العباد لهم عن الاستغراق في بحار الضلالة وظلمات الشقاوة ؛ لأنهم محفوظون بحسن عنايته ، وزيّن كلاءته ، ومن استنّ بسنتهم نجا من الطغيان والنيران ، ودخل في جوار الرحمن .
قال ابن عطاء : عيون اللّه في أرض إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم وسلامه عليهم أجمعين ، وهي تجري لهم وليس بينهما واسطة ؛ إذ كانوا به ، وكانوا له وعنه وفيه ومنه ، وهم يشهدون فعل ذاته ، وهو يجري بهم ، تجري بأعيننا التنقل في الدرجات والمقامات والكرامات وفي المواجيد وفي الأسرار يلقون فيها تحية وسلاما .
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 17 إلى 48 ]
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 )
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 ) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 )
وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 37 ) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 ) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 39 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 )
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 )
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 )
هامش
( 1 ) أي : تجرى السفينة وتسير بمرأى منا أي محفوظة بحفظنا ومنه قولهم للمودع عين اللّه عليك وقيل بأوليائنا يقال مات عين من عيون اللّه أي ولي من أوليائه . تفسير حقي ( 14 / 391 ) .