تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 123 إلى 124 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 )

[ تفسير الآية 122 ]

قوله تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
اختار اللّه سبحانه قوما خاصا لمجالسة نبيّه عليه السلام على الدوام ، وخصّهم لإلقاء الأسماع الخاصة ، لتلقف خطاب الحقّ من فلق الغيب ، وجعل الآخرين للأسفار والمجاهدات والرياضات ؛ ليبلغهم إلى مقام المشاهدة والصحبة ، فالأولون أهل الحضور وشهود الغيب ، والمؤانسة بالصحبة ، وفهم الخطاب . قال تعالى :
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
أي : ليفهموا حقائق أحكام المعرفة ، والطريقة والحقيقة ، والشريعة ، والآخرون إذا تمكّنوا في العبودية ، وأدركوا مقام أهل المؤانسة ، وفهموا مراد اللّه من خطابه ، وإذا الكلّ على سعادة من الأزل وحيث لحق بعضهم بعضا ؛ لأنّ شموس العناية إذا أشرقت يجاري الكلّ أنوارها ، إذا طلع الصباح لنجم راح تساوى فيه سكران وصاح . قال سهل : أفضل الرحلة رحلة من الهوى إلى العقل ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الدنيا إلى الآخرة ، ومن الاستطاعة إلى التبرّي من الحول والقوة ، ومن النفس إلى التقوى ، ومن الأرض إلى السماء ، ومن الخلق إلى اللّه . قال المرتعش : السياحة والأسفار على ضربين : سياحة ؛ لتعلّم أحكام الدين وأساس الشريعة ، وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس ، فمن رجع من سياحة الأحكام ، قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه ، ومن رجع من سياحة الآداب والرياضة ، قام في الخلق يؤدّبهم بأخلاقه وشمائله ، وسياحة هي سياحة الحقّ ، وهي رؤية أهل الحقّ والتأدّب بآدابهم ، فهذا بركته تضم العباد والبلاد . قال اللّه :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
. قال سهل في قوله :
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
ليفهموا في الدين مراد خطابه ، ويقوموا باستعمال ما أمروا به مخلصين له الدين ،

[ تفسير الآية 123 ]

ثمّ حثّهم بقتال نفوسهم ، ومجاهدة هواهم ، بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
الكفّار : النفوس الابدة التي هي مجمع الهوى والبلاء والحجاب ، من عرفها قاتلها وأماتها بفنون الرياضات ، حتى لا يبقي في عرضات قلبه من عروق أشجار الشهوات أثر ، فينبت فيها بعد ذلك أشجار المعارف ، والكواشف ونور الحكمة ، ورياحين المودّة ، وورود الشوق ، وياسمين العشق ، ويكون بهذه الأنوار مزار جنود الأسرار ، ومنازل نزول الأنوار .