تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
والفضل ، وإن شذّ عنه فهم تلك المسألة فأراه اللّه ما منّ على سليمان ليكون قرة عينه بقوله تعالى :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
معرفة بالربوبية وعلما بالعبودية . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 83 إلى 86 ] وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 ) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 )

[ تفسير الآية 83 ]

قوله تعالى :
* وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
. لما أخبر اللّه سبحانه أيوب عليه السلام أنه حان وقت خروجه من البلاء علم أيوب أن ما رأى من رؤية المبلى في بلائه يكون منقطعا عنه إذا انقطع البلاء قال :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
إذ فات عني مشاهدتك في بلائي ، وأيضا إذا كان مبتلى كان في محل رؤية قهر القدم الذي شاهده الحق بوصف جلاله وجماله تربية بقهره لعرفانه ، وجميع صفاته بطريق القهر واللطف ؛ فلما انهزم عساكر قهر سلطانه من جنود ألطاف ألوهية خاف أن يفوت ما حصل له من رؤية القهر ومباشرته ، قال :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
، ولأنه ادعى الصبر فجربه الحق بالبلاء فإذا خرج من مكائده طوفان قهر القدم وجد نفسه خارجا من مقابلة بلائه الذي هو دأب فتيان الخضرة ؛ فقال :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
، وأيضا مقام العافية حظ العاشق من المعشوق ، والبلاء حظ المعشوق من العاشق ، فلما انعزل من حظ معشوقه عنه وبقي مع حظه منه قال :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
، وأيضا البلاء مقام الفناء في القدم والعافية مقام البقاء والعارف الصادق يؤثر فناء نفسه على بقائه ؛ لأن تنزيه القدم يقتضي فناء الغير فمن حجة كونه في مشاهدة الحق قال :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
كون وجودي في وجودك ؛ لأن حق الغيرة في الوحدانية لا يقتضي كون الوجود في وجود الحق ، وأيضا كان روحه من مقام الأنس صدرت فطار صورته شبيه روحه باللطافة ، وهو كان في هواء الأنس طيارا ، وفي ميادين الحسن والجمال سيارا ، فلما لحقه البلاء صار في البلاء وثقله ومرارته محجوبا عن لذة الأنس به ؛ فقال اللّه :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
، ويا فهم العارف الصادق إذا كان متحققا في معرفته فشكواه حقيقة الانبساط ، ومناداته تحقيق المناجاة وأنينه في بلاء حبيبه حقيقة المباهاة ، وفيما ذكرنا أنشدت يوما في حق بلاء عشي في أيام امتحاني وشوقي إلى أيام وصالي ورؤية منابي فقلت :
هوائي يا منابي في لقاك * وعيشي يا رجائي في هواك
نزلت حظوظ نفسي من حياتي * وآثرت الممات بأن أراكا