[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 13 إلى 15 ]
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 )
[ تفسير الآية 12 ]
قوله تعالى :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
الكتاب كلام الحق الأزلي ، كلف اللّه سبحانه يحيى عليه السلام حمل كتابه الأزلي ، وأمره أن يأخذ بقوة قال :
خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
معا ذكرناه في قسمة أي : خذ الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية التي ألبستها روحك وصورتك حين خلقتك بمباشرة قوتي الجبارية الأزلية ، ولولا تلك القوة في نفسه كيف كان يأخذ الكلام القديم ، والقديم لا يحتمل إلا بقوة من القدم .
أي : خذ كتابنا بنا لا بك ، خذ بقوتنا لا بقوة الحدثية ، وأيضا خذ كتابنا بمعرفة كتابنا ، وبمعرفتنا تعرف معاني حقائق كتابنا ، وأيضا خذ باستعانتك بنا بأخذ كتابنا .
ثم وصف امتنانه عليه حيث ما بالى أنه لم يكن بالغا بقوله تعالى :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
عرفناه مكان الحقيقة في معرفة صفاتنا وذاتنا في زمان صباه ؛ لأن روحه خرجت من عالم الملكوت كاملة بأنوار الجبروت ، وأيضا آتيناه الحكمة البالغة والمعرفة الشاملة والفراسة الصادقة والمحبة الشافية .
قال ابن عطاء : « الحكم » المعرفة .
وقال جعفر : التوفيق لاستعمال آداب الخدمة .
قال الحسين : كان روح يحيى معجونا بأنوار المشاهدة ، ونفسه معجونة بآداب العبودية والمجاهدة ؛ لذلك قال له :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 )
.
وقال يوسف بن الحسين : أوتي يحيى حكما على الغيب ، وفراسة صادقة لا يخالطها ريب ولا شك .
[ تفسير الآية 13 ]
ثم وصف اللّه سبحانه صفيه يحيى بالطهارة والرحمة والتقوى بقوله :
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 )
أي : آتيناه رحمة من عندنا تلك الرحمة العندية أنه تعالى ألبسه كسوة من صفات رحمته ، حتى جعله رحمة للمنقطعين ، وشفاء لمرضى المحبين ، وجعله مطهرا بأن قدسه في بحر جلاله بزلال وصاله عن غبار الامتحان وعماء العصيان ، وجعله تقيّا معرضا عن غيره ، مقبلا عليه بنعت الشوق والمحبة .
قال الواسطي : ذلك الذي أوجب له الانبساط والدلال .
وقال سهل : رحمة من عندنا ، وطهرة طهرناه بها من ظنون الخلق فيه ، وكان تقيّا معرضا عما سوانا ، مقبلا علينا .