تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
إذ حاج سره إلى طلب الخنوع إلى الربوبية ، والفناء تحت العظمة ، والذهاب عن الذهاب في برجاء الهيبة في مقام المشاهدة ونجوى سره فناجى سر سره خفيّا عن سره ، ونادى سره خفيّا عن روحه ، ونادى روحه خفيّا عن عقله ، ونادى عقله خفيّا عن قلبه ، ونادى قلبه خفيّا عن نفسه ، ونادى نفسه خفيّا عن صورته ، ونادى لسانه بل جميع وجوده لسانا خفيّا عن غير ربه ؛ فمناجاته ونجواه أخفى عن كلّ خفي ؛ لأنه نادى ربه بريه ، وتلك المناداة ما وصف عليه السلام بالخيرية والخاصية عن جميع العبادات والأذكار والأفكار بقوله : « خير الذكر الخفي » « 1 » . قال : عن عطاء :
نِداءً خَفِيًّا
أخفى نداءه من الخلق ، ومن نفسه ، وأظهر النداء لمن يجبيبه ، ويقدر على إجابته ، وفائدة إخفاء النداء من الخلق ، ومن النفس لئلا يدخله تلوين . وقال بعضهم : خفي في الذكر عن الذكر ، ومن ذا قيل : إذا أذهلتك العظمة خرس قلبك ولسانك عن الذكر . قال بعضهم : أخفى سؤاله عن نفسه ، وروحه فنداؤه لمن يقدر على إجابته وقضاء حاجته فسمع الحق نداءه ، ووهب له يحيى كما طلبه .

[ تفسير الآية 4 ]

ثم وصف اللّه سبحانه عبده زكريا بأنه جعل نفسه في مقام العجز والتواضع في سؤاله عن ربه ، وهكذا حال السؤال على باب جبروت ذي الجلال ، وكان في دعائه موقنا ؛ لأن قلبه شاهد مقام استنشاق نفحة الإجابة لذلك قال :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
. قال ابن عطاء : قام مقام معتذر لما وجد في نفسه من فترة العبادة لكبر السن ، فسأل اللّه من يعينه على عبادة ربه ، وينوب عنه فيما عجز عنه من أنواع العبادة منابة ؛ فقال :
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
، ورضاه لخدمتك ومستصلحة لعبادتك ثم إنه كان عليه السلام رأى بعين سره روح ابنه في الملكوت طائرة في رياض الجبروت ؛ فسأل ما رأى فقال :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
ناصرا صديقا نبيّا مرسلا ، يعرف حالي ، ويرث مقامي ، ويتخلق بخلق آبائي ،
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 )
مرضيّا عندك بعد اتصافه بصفتك راضيّا عنك بعدما شاهد الرضوان الأكبر بنعت المتبري عن غيرك . قال ابن عطاء :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 )
أي : ولدا نتخذه وليّا يرث مني النبوة ، ويرث من آل يعقوب الأخلاق ، وقيل : يرثني النبوة ، ويرث من آل يعقوب السخاوة
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 72 ) ، وابن حبان في « صحيحه » ( 3 / 91 ) .