تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
أرواحهم ، وفنيت قلوبهم واستهلكت نفوسهم ، ولكن ما أطيب زمان السكر للمريدين ، والمحبين ، والشائقين ، والعاشقين أخذهم سكر الوصال عن المقيل والقال ، وعن الاشتغال والمحال ، وغيبهم في أنوار الجمال والجلال ؛ حتى لم يحسوا شيئا من الحدثان من ذوق وصال الرحمن ، ما أطيب تلك الأوقات السرمدية ، والأحوال المقدسة بحيث ما لهم خبر عن مرور الزمان ، وحوادث الملوان .
شهور ينقضين وما شعرنا * بإنصاف لهم ولا شرار
ما أقل زمان الوصال لعشاق الجمال والدهر عندهم في المشاهدة ساعة ، وإعمار العاملين في منازل أنسهم لمحة . وأنشد :
صباحك سكر والمساء خمار * نعمت وأيّام السّرور قصار
زمان القربة قليل وزمان الفرقة طويل ، وذلك من غيرة العشق المجران في كمين الغيرة مقيم وملدوغ الفراق من سم أفاعي الغيرة سليم ، لا يصير الدهر ؛ حتى يفرق بين العاشقين والمعشوقين ، وأنشد :
عجبت بسعي الدّهر بيني وبينها * فلما انقضى ما بيننا سكر الدّهر
كانوا لا يعرفون اليوم من الأمس ، ولا يعلمون من حدة الحال القمر من الشمس :
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
. استقاموا مقام الوصال واستلذوا لطائف الجمال وتخبطوا في المقال ، وما كان ذلك إلا من خمار سكر الأحوال ذكروا أيام الوصلة في مقام الفرقة ، وتعاظموا لطائف المؤانسة في منازل الوحشة ، واشتاقوا إلى معاهد المشاهدة ، وأيام المدانة . وأنشدوا :
سلام على تلك المعاهد إنّها * شريعة ورد أو مهب بشمال
ليالي لم تحصر حرون قطيعة * ولم يمش إلّا في سهول وصال
فقد مرّت أرضى من سواكن أرضها * تجلب ببرق وبطيف خيال
قال ابن عطاء : مقام المحب مع الحبيب ، وإن طال فإنه قصير عنده إذ لا يقضي من حبيبه وطرا ، ولو مكث معه دوام الدهر ، فإن انتهاء شوقه إليه ؛ كالابتداء ، فانتهاؤه فيه ابتداء ، فلما رجعوا من مقام الجذب إلى مقام السلوك ، ومن مقام الروحانية إلى مقام البشرية ، واحتاجوا إلى ما يعيش به الإنسان ، استعملوا حقائق الطريقة بقوله سبحانه :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً
لما
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 414 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )