تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
في عالم الملكوت والجبروت ، ثم أخبر سبحانه من سعة قدرته وكمال رحمته وجلال منته بأنه اختار من بين سباع البرية كلبا عارفا ، وجعله مستعدا لقبول المعرفة ممهدا لجريان أنوار محبته ، ومقبلا عليه مع أوليائه لديه بقوله :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
وضع قلب الروحاني الملكوتي في كلب ، وجعل قلبه خزائنه من خزائن معارفه ، وصندوقا من صناديق جواهر سر أسراره ، وحركه بسلاسل جذباته ، وحبس عنايته إلى مشاهدته قربة ، وعرّفه طرق الربوبية وسلوك العبودية ، فروحه كان روحانيّا ، وسره ربانيّا ، وشهوده رحمانيّا ، وألبسه ما ألبس القوم ؛ لذلك فرّ إلى الحق مع أوليائه من أماكن الحدثان ، ويا عاقل لا تنظر إلى صورة الكلب ، وغيره فإن محتمل الصفات حقائق فعله ، والكلب الغير من أفعاله ، والصفات والأفعال في معادنها منزه عن التفاضل ، بل إذا أضيف إلى الكون يفضل البعض على البعض من حيث العلم والحكمة ، وإذا كان سبحانه اختار أحدا من خلقه بمعرفته ومحبته بحسن عنايته الأزلية لا ينظر إلى سببه ، ولا إلى نسبه ، ولا إلى صورته ، ولا إلى رتبته بل يجري عليه بإرداته القديمة أحكام حسن عنايته فيصيره جواهر الآفاق ، ويجعله لطائف الترياق ، ويرفعه إلى تمام الملكوت ، ويوصله إلى ميادين الجبروت . قال اللّه :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 15 ] ، فجعل الكلب معظم آياته لهم ؛ حيث أنطقه بمعرفته ، وكسا قلبه أسرار نوره ، وأبرز له أنوار هيبته ، فأضجع مقام الحرمة للرعاية بحسن الأدب بالوصيد ، وبين سبحانه رتبة الإنسانية ، وفضلها على الحيوانية بحيث أقامه بالوصيد ، وعلى سرادق الكبرياء ، ووصيد مجد الجلال ، وأدخلهم في فجوة الوصال سبحان المتفضل بالكمال . قال أبو بكر الوراق : مجالسة الصالحين ومجاورتهم يؤثر على الخلق ، وإن لم يكونوا أجناسا ؛ ألا ترى اللّه كيف ذكر أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورته إياهم ! ويقال : لما لزم الكلب محله ولم يجاوز حده فوضع يده على الوصيد بقي مع الأولياء كذا أدب الخدمة يوجب بقاء الوصلة ، ثم زاد سبحانه في وصفهم مما كساهم من أنوار الجلال ، وعظمته التي ترتعد من رؤيتها قلوب الصديقين ، وتقشعر من صولتها جلود المقربين ، وتفزع من حقائقها أرواح المرسلين بقوله :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
. إن اللّه سبحانه نبهنا ها هنا عن جلال قدر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأنه تعالى ربّى روحه وعقله وقلبه وسره ونفسه في بدو الأول بنور حسن مشاهدته ، وأنوار مال وجهة خاصة بلا مطالعة العظمة والكبرياء ؛ لأنه كان مصطفى لمحبته مجتبى لحسن وصاله ودنو دنوه ، ولطائف قرب قربه ، وألبسه حلل حسن صفاته ، وطيبه بطيب أنسه ونشقه ورد قدسه ، وسقاه من بحر وداده