تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
عنده ليستفيد بصحبته ويظهر كماله بمجالسته ويستبصر بعلمه فيفيدنا أو ليتلطف في أمره حتى لا يشعر بحالكم ودينكم جاهل من غير قصد .
وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً
من أهل الظاهر المحجوبين ، وسكان عالم الطبيعة المفكرين ، وإن أوّلنا أصحاب الكهف بالقوى الروحانية فالبعوث هو الفكر والمدينة محل اجتماع القوى الروحانية والنفسانية والطبيعية ، والذي هو أزكى طعاما العقل دون الوهم والخيال والحواس ؛ لأن كل مدرك له طعام والرزق هو العلم النظري على كلا التقديرين :
وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً
من القوى النفسانية .

[ تفسير الآية 20 ]

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا
أي : يغلبوا
عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ
بحجارة الأهواء والداعي من الغضب والشهوة ، وطلب اللذة فيقتلوكم بمنعكم عن كمالكم .
أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ
باستيلاء الوهم وغلبة الشيطان والإمالة إلى الهوى ، وعبادة الأوثان على التأويل الأول ظهور العوام ، واستيلاء المقلدة والحشوية المحجوبين ، وأهل الباطل المطبوعين ، ورحمهم أهل الحق ودعوتهم إياهم إلى ملتهم ظاهر كما كان في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ
أي : مثل ذلك البعث والإماتة ، اطلعنا على حالهم المستعدين القابلين لهديهم ومعرفة حقائقهم
لِيَعْلَمُوا
بصحبتهم وهدايتهم .
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ
بالبعث والجزاء
حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ
أي : حين يتنازع المستعدون الطالبون بينهم أمرهم في المعاد ، فمنهم من يقول : إن البعث مخصوص بالأرواح المجردة دون الأجساد . ومنهم من يقول : إنه بالأرواح والأجساد معا ، فعلموا بالاطلاع عليهم ومعرفتهم أنه بالأرواح والأجساد ، وأن المعاد الجسماني حق . فقالوا
ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً
أي : فلما توفوا قالوا ذلك كالخانقاهات والمشاهد والمزارات المبنية على الكمل المقربين من الأنبياء والأولياء كإبراهيم ومحمد ، وعلي وسائر الأنبياء والأولياء - عليهم الصلاة والسلام -
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ
من كلام أتباعهم من أممهم المقتدين بهم أي : هم أجل وأعظم شانا من أن يعرفهم غيرهم الموحدون الهالكون في اللّه المتحققون به ، فهو أعلم بهم ، كما قال اللّه تعالى : « أوليائي تحت قبائي لا يعرفونهم غيري » « 1 » .
هامش
( 1 ) ذكره الشيخ حقي في روح البيان ( 9 / 79 ) .