تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
منهم ؛ لأن ما بدا عليهم منا .
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً
يا مخاطب الانفتاح أعينهم وإحساساتهم وحركاتهم الإرادية الحيوانية
وَهُمْ رُقُودٌ
بالحقيقة في سنة الغفل ، تراهم ينظرون إليك ، وهم لا يبصرون
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
أي : نصرفهم إلى جهة الخير ، وطلب الفضيلة تارة وإلى جهة الشر ومقتضى الطبيعة أخرى
وَكَلْبُهُمْ
أي : نفسهم
باسِطٌ ذِراعَيْهِ
أي : ناشرة قوتيها الغضبية والشهوانية
بِالْوَصِيدِ
أي : بفناء البدن ، ولم يقل وكلبهم هاجع ؛ لأنها لم ترقد ، بل بسطت القوتين في فناء البدن ملازمة له لا تبرح عنه والزراع الأيمن هو الغضب ؛ لأنه أقوى وأشرف وأقبل لدواعي القلب في تأديبه ، والأيسر هو الشهوة لضعفها وخستها .
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ
أي : على حقائقهم المجردة وأحوالهم السنية ، وما أودع اللّه فيهم من النورية والسنا ، وما ألبسهم من العز والبهاء
لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
فارّا لعدم اعتقادك بالنفوس المجردة وأحوالها وعدم استعدادك لقبول كمالهم ، أو لوليت منهم للفرار عنهم ، وعن معاملاتهم لميلك إلى اللذات الحسية والأمور الطبيعية .
وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
من أحوالهم ورياضاتهم ؛ أو لو اطلعت عليهم بعد الوصل وإلى الكمال وعلى أسرارهم ومقاماتهم في الوحدة لأعرضت عنهم ، وفررت من أحوالهم وملئت منهم رعبا ؛ لما ألبسهم اللّه من عظمته وكبريائه ، وأين الحدث من القدم وأنى يسع الوجود العدم .

[ تفسير الآية 19 ]

ثم أخبر سبحانه عن ارتفاع أثقال العظمة عنهم ، وإفاقتهم عن سكر المشاهدة ، وحضورهم بعد الغيبة ، بقوله :
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ
فيه إشارة أنهم في بديهة وقائع الغيب ، وهم أهل البدايات في المعرفة ، وهجوم غلبات الوجدان ؛ لذلك هاموا في الغيب وطاشوا في القرب ، ولو كانوا في محل التمكين والصحو ما غابوا عن الإحساس ورسوم المعاملات ، ويكون حالهم كمال نبينا صلى اللّه عليه وسلم حين دنا وثبت في التدلي ، واستقام في منازل الأعلى ، واستقر بين أنوار القدم والبقاء بنعت الصحو والصفا . وقال : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » ، ولو أن ما ورد عليه من أحكام الربوبية في المشاهدة ، ورد منه على جميع الأولين والآخرين لطاشت عقولهم ، وطارت
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .