تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
نحن في أكمل بالسرور ولكن * ليس إلا بكم يتم السرور
غبت ما نحن فيه يا أهل ودي * إنكم غيب ونحن حضور
ويقال : الحياة الطيبة الأولياء ألا يتركه لهم سؤالا إلا حققه ، ولا مأمولا إلا صدقه ، وأما الخواص فالحياة الطيبة لهم ألا يكون لهم حاجة ولا سؤال ولا أرب ولا مطالبة ، وكم بين من له مراد فيرتفع ، وبين من لا إرادة له فلا يريد شيئا ، الأولون قائمون بشرط العبودية ، والآخرون معتقون بشرط الحرية . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 99 إلى 101 ] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )

[ تفسير الآية 99 ]

قوله تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
بيّن سبحانه أن الشيطان لا يغلب بالكفر والضلال على من اختارهم اللّه في الأزل بالإيمان والمعرفة ، وبصفاته ، وبأسمائه ، وبنعوته بنعت نفي الأنداد والأضداد عن عبوديته ، والإيقان في وجوده ، والإذعان عند تصرفه ، والتوكل عليه في امتحانه وبلائه ، ولا تسلط له عليهم ؛ لأنهم في رعاية الحق وعنايته لا يقدر أن يوسوسهم للتردد في الإيمان ؛ ولكن يوسوسهم من جهة الشهوات الدنيوية ، فإذا صبح أنوار شمس جلاله على وجوههم وقلوبهم وأرواحهم ، يحترق الشيطان عند إلقائه إليهم حتى أفاقوا ، فإذا أفاقوا يقصد إليهم أيضا بالوسواس ، فإذا استعانوا باللّه من شره ، وأووا إليه بالتوكل ، احتبس الملعون في مكانه ، يذوب كما يذوب الملح في الماء . قال أبو حفص : من أراد ألا يكون للشيطان عليه سبيل ، فليصحح إيمانه ، وليصحح بالإيمان بالتوكل عليه ، والإيمان هو ألا يرجع في السراء والضراء إلا إليه ، ولا يرضى بسواه عوضا عنه ، والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك بمعلومك ، وهذا تفسير قوله :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ
. قال النصر آبادي : من صحح نسبته مع الحق لا تؤثر بعد ذلك عليه منازعة طبع ، ولا وسوسة شيطان ،

[ تفسير الآية 100 ]

ثم بين أن سلطانه على من :
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
معنى سلطان الشيطان الحيل والمكر والخديعة والوسواس ، لا أن يطيق أن يضل أحدا من خلق اللّه بغير إذن اللّه ؛ لأنه تعالى يضل بنفسه ويهدي بنفسه ، وليس له شريك فيها ، إذ هو منفرد بالوحدانية الأزلية وتسلطه إنّما على من أضله اللّه في الأزل ، وتسلطه أغراه ، وزيادة الوسوسة لمن تابعه وتابع هواه ، وأما للمسلمين والمؤمنين فمن جهته مراد النفس ؛ لا للكفر والضلالة ؛