تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
باق على الدوام ، وأنى يقابل ما يفنى بما يبقى . وقال ابن عطاء : أوصافكم فانية وأحوالكم بائية ، فلا تدعو منها شيئا وما من الحق إليكم باق ، فالعبد من كان فانيّا من أوصافه باقيّا بما للّه عنده ، وهو تفسير قوله :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
. وقال جعفر عليه السلام : ما عندكم ينفد يعني الأفعال من الفرائض والنوافل ، وما عند اللّه باق من أوصافه ونعوته ؛ لأن الحديث يفنى والقديم يبقى . قال أبو عثمان : جزاء الصبر هو أن يعطي اللّه العبد الرضا ، فمن تحقق بالصبر ولزم طريقة الصابرين فإن اللّه يثيبه على أحسن ثواب عاجلا وآجلا . قال اللّه تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. ويقال : ما عنكم من معارفكم ومحابكم آثار متعاقبة وصفات متناوبة أعيانها غير ثابتة ، وإن كانت أحكامها غير باطلة ، والذي يتصف بالحق به من رحمته بكم ومحبته لكم وثنائه عليكم ، فصفات أزلية ، ونعوت سرمدية . ويقال : ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا ، فيعرض الزوال وقبول الانقضاء ، وما وصفنا به نفسنا بما ورد به الآثار إلا طال ، شوّق الأبرار إلى لقائي ، وإنّا إلى لقائهم لأشد شوقا وذلك إقبال لا يتناهى وإفضال لا يفنى . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 97 إلى 98 ] مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 )

[ تفسير الآية 97 ]

قوله تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
معنى الآية أن العمل الصالح ثلاثة أشياء : التّبرّؤ من الكون وما فيه بنعت تصاغره في عين من يرى القدم ، وبذل الوجود لتصاريف الربوبية بنعت الرضا واللذة في البلاء ، ورفع النظر عن الجزاء ، والأعواض بكل حال ، وهو مؤمن أي موقن مشاهد في حاله وعلمه قبول الحق وإقباله إليه بوصف الرضا عنه ، وأيضا هو مشاهد ما وعده اللّه له من أحكام الغيب بنور البصيرة ، وأيضا وهو مخلص عن النظر إلى غير اللّه ، وهو مؤمن بما يقول هاتف الغيب في قلبه ، وأيضا هو مؤمن بأن وجوده وطاعته لا يليق بحضرة القدم ، من كان هكذا يلبس الحق سره وروحه وقلبه وعقله بركة حياته الأزلية ، فيحييه بحياته ، ويريه بهاء جماله ، ويصيره مستأنسا