الرحمن ، يقلبها كيف يشاء » « 1 » يقلّب بحر القلوب والأرواح والأسرار والعقول في جبال أنوار الذات ، وأشجار أنوار الصفات ، وعروش أنوار الأفعال ، ويكملها بغرائب خطابه بأكل ثمار أنوار الصفات والذات والأفعال ،
[ تفسير الآية 69 ]
بقوله :
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي : من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ، ونور بهار أنوار الذاتية ، وأزهار أنوار الأفعالية ، ثم أمره لسلوك سبيل الازال والآباد والقدم والبقاء بنعوت الفناء بقوله :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
لتعرف في طيرانها وسيرانها ثمار أشجار غيبه ، وتأكل رياحين أنسه ، وتطير في صحاري قدسه ، وتعرف جلال وجوده تعالى اللّه عن كل علة ، فإذا تم دورها في بساتين العيوب
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
شراب معرفته بقدم جلال وعز بقائه ، وأنوار ذاته ، فاختلاف ألوانه باختلاف رؤيتها أنوار كل صفة ، فعلى قدر رؤية الصفات يكون ألوانها ، فمن لون المحبة ، ومن لون العشق ، ومن لون الأنس ، ومن لون الفكر ، ومن لون القبض والبسط ، ومن لون الخوف والرجاء ، ومن لون البسط والانبساط في هذه المقامات شفاء لكل مريض المحبة ، وسقيم الألفة ، وملدوغ الشوق ، وسليم المعرفة ، ومن شأن ذلك العسل لون نوري من بهاء اللّه وطعم حلاوة من حلاوة وصلة اللّه ، فإذا حصل ذلك العسل من مشاهدة اللّه في حواصل تلك النحل ، يحصل من ذلك العسل الذي صدر من تجلي الربوبية لها شمع العبودية ، فإذا قهر عليه نيران المحبة تتميز بين الربوبية والعبودية ، فيصير عسل الربوبية موضع ذوق مقام الأنس ، كقوله عليه السلام : « أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » « 2 » ؛ فمن شرب قطرة منه بنعت الجذب ، ومتابعته بنعت المحبة ، يشفيه من كل سقم من علل الشهوات النفسانية ، ولسقم الشيطانية ويصير مربي صحيحا بأنوار الربوبية ، فحالاته شراب الوصال يليق بالمخمورين بخمار الإرادة ، ويكون شمعه أوصاف العبودية الخالصة بسرجه من نور كواشفه ومعارفه ، فيضيء لكل سالك طريقه ، وكل سائل رشده ، قال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
.
قال ابن عطاء : ألهمها ودلّها على الموضع ، وعلّمها كيف يضع ما في بطنها ، لا يضعها إلا على حجر صان أو خشب نظيف ، لا يخلطه طين ولا تراب ، ثم قال تعالى :
كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي : من الذي جعلته رزقك ، ثم أمره بالتواضع ، فقال تعالى :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
، ثم قال :
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
للنفوس لا للقلوب ، فمن
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 2654 ) ، وابن حبان ( 3 / 184 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 2 / 317 ) .
( 2 ) رواه أحمد ( 2 / 377 ) ، والترمذي ( 3 / 148 ) ، وأبو داود ( 2 / 15 ) .