[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 72 إلى 76 ]
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 )
[ تفسير الآية 71 ]
قوله تعالى :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
الأرزاق منقسمة على أهل سلوك المعارف ، الأرزاق لبعضهم طاعات ، ولبعضهم إرادات ، ولبعضهم مقامات ، ولبعضهم حالات ، ولبعضهم مكاشفات ، ولبعضهم مشاهدات ، ولبعضهم معرفة ، ولبعضهم محبة ، ولبعضهم توحيد ، ولبعضهم تفريد ، فرزق الأشباح بالحقيقة العبودية ، ورزق الأرواح بالحقيقة رؤية أنوار الربوبية ، ورزق العقول الأفكار ، ورزق القلوب الأذكار ، وكلهم مشفقون على أرزاقهم ، غوثان إلى قوتهم من الحقائق ، عطشان إلى مشاربهم بعد سقيهم بحار القربة والمشاهدة ، لا يطيقون رؤية غيرهم من المريدين أن يكونوا معهم في الشراب والطعم غيرة على أحوالهم .
قال تعالى :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
.
قال إبراهيم الخواص : منهم من جعل رزقه في الطلب ، ومنهم من جعل رزقه في القناعة ، ومنهم من جعل رزقه في التوكل ، ومنهم من جعل رزقه في الكفاية ، ومنهم من جعل رزقه في المشاهدة ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » « 1 » .
وقال الفضيل : أجل ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه ، وعقله يدله على رشده ،
[ تفسير الآية 72 ]
ثم بيّن سبحانه حلاوة ذلك الرزق ، وطيبه ، وطهارته ، بقوله :
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
أجل طيبات الرزق مشاهدته ولقاءه ؛ لأنها هي الرزق بالحقيقة الذي يعيش به الأرواح في المعرفة ، والأشباح في العبودية ، والعقول بالتفكر ، والقلوب بالتذكر ، والأسرار بإدراك علم الربوبية ، وذلك الرزق أطيب الطيبات ، وهو بالحقيقة طيب ؛ لأنه قديم أزلي منزه عن علل الحدثان ، وما دونه غير طيب بالحقيقة ؛ لأنه معلول ، والمعلول كيف يكون طيبا وصورة الرزق الطيب ما
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .