قال الأستاذ : إن في الدنيا مشاهدة ، وفي الآخرة معاينة ،
[ تفسير الآية 32 ]
ثم وصف لهؤلاء المحسنين المتقين بطيب قلوبهم وأرواحهم عند خروجهم من الدنيا ، بقوله تعالى :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ
في الدنيا بطيب نفحات مسك تجليه وتدليه وفي الآخرة بطيب مشاهدته ووصاله ، أيضا طيبين بطيب محبته ، طيبين بطيب معرفته ، طابت نفوسهم في خدمة مولاها ، وطابت قلوبهم في محبة سيدها ، وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها ، وطابت أسرارهم بطيب الأنوار ، هؤلاء مقدسون من شوب الحدثان ، وإشراك الأصنام ، تقدست نفوسهم من لوث الطبيعات ، وتقدّست قلوبهم من لطخ الشهوات ، وتقدّست أرواحهم من الوقوف في الآيات ، وتقدّست أسرارهم من علائق الكرامات ، طابوا بطيب المناجاة ، واستأنسوا بأنس المداناة ، وسكروا بوجوه المشاهدات ، وصلحوا في مجالس أنوار الصفات ، وطاروا بأجنحة الشوق والمحبة في أنوار الذات ، طيب اللّه قلوبهم ؛ حيث جعلها متصفة بأنوار شهوده عليها ، فطابت الوجود بوجودهم ، وفاحت فارات مسك محبتهم في الآفاق ، فما أطيب ذلك الطيب إذا تنفسوا من غلبات الشوق إلى جماله ، واستنشاقهم طيب وصاله ، هبت عليها ريح الشمال وحملت أنفاسهم ، ودارت حول الكونين ، فطابت الأكوان والحدثان من طيب أنفاسهم ، لأنها رياض جمال الحق ، وموضع أنفاس الرحمن .
ألا ترى كيف قال سيد أهل الأنفاس عليه السلام : « إنّي أجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 1 » .
وقال : « إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ، ألا فتعرضوا لنفحات الرحمن » « 2 » .
عرائس جود المشاهدة هناك تتبختر ، فتطيب بطيبها تلك الأنفاس الربانية ، فطابت السماوات والأرض وأهلها بطيبها ، كما قيل :
تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت * به زينب في نسوة عطرات
قيل : أي طيبة أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات .
وقال أيضا : أي : لم يتدنسوا من الدنيا وخبثها بشيء .
قال أبو حفص : ضياء الأبدان بمواصلة الخدمة ، وضياء الأرواح بالاستقامة .
قال الأستاذ : طيبين تفيض أرواحهم طيبة ببذلها نفوسهم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 37 إلى 43 ]
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 37 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 )
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 )
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 129 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 251 ) .
( 2 ) رواه الطبراني في « المعجم الأوسط » ( 3 / 180 ) ، و « المعجم الكبير » ( 19 / 233 ) ، وذكره المناوي في « فيض القدير » ( 2 / 463 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 1 / 269 ) .