المسلمين ، وكل نعمة من هذه النعم معدن أصل الذات والصفات ، يزيد بزيادة كشفها ، فبأي لسان يعد نعمته ، والخليقة عاجزة عن شكر قطرة ماء زلاله ، فكيف لا يعجز عن شكر نعمة مشاهدته القديمة ، لكن رحمته وغفرانه شكر نفسه لعلمه بضعف عباده عن حمل شكره ، لذلك قال في آخر الآية
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
.
قال ابن عطاء : إن لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبّة ومعرفة ودينا ودنيا وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحينا وأصلا وفصلا ووصلا ، فنعمة النفس الطاعات والإحسان ، والنفس فيهما تتنعم ، ونعمة الروح الخوف والرجاء ، وهو فيهما يتنعم ، ونعمة القلب اليقين والإيمان ، وهو فيها يتقلب ، ونعمة العقل الحكمة والبيان ، وهو فيهما يتقلب ، ونعمة المعرفة الذكر والقرآن ، وهو فيهما يتقلب ، ونعمة المحبة الألفة والمواصلة والأمر من الهجران وهو فيهما يتقلب ، وهذا تفسير قوله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
.
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 21 إلى 29 ]
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 ) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 22 ) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 25 )
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ( 27 ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 )
[ تفسير الآية 21 ]
قوله تعالى :
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
من أمانة الحق بموت الحرمان عن حياة العرفان ، كيف يحي بحياة لا موت فيها ، فالجاهلون في غمرات هوة الجهالة ، والعارفين في حياة المشاهدة ، أماتهم حيث طردهم عن أبواب لطفه ، فهم يعمهون في ظلمات القهر وما يشعرون سبل الحياة وطريق النجاة ، فمثالهم مثل الأصنام التي لا أرواح فيها ، ولا استعداد لها لقبول الحياة ، فكذلك أهل الجهل به ليس لهم استعداد قبول حياة المعرفة