[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 38 إلى 43 ]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 )
[ تفسير الآية 37 ]
قوله تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
بيّن سبحانه جلال كرم حبيبه ، وشفقته على خلقه ، محبة لدينه ، ونظاما لعبوديته ، ثم فإن لا يضيق صدرك لأجل من أغويته في الأزل عن طريقك ، فإنك لا تهديه ، فإن من طرده سابقة إرادته الأزلية ، يقدر الحدثان حسم باب الطرد عليه ، فإن العبودية من خلقه يتعلق بتخصيص من خصّه بمعرفته ، وألبسه لباس عبوديته ، ومن ألبسه لباس قهره فأنت لا تقدر أن تنزع ذلك عنه ، فإنّ جريان أمر القدم لا يدفعه إلا القدم ، وإنما بعثت الرسل لبيان الشريعة ، ووضوح الطريقة لأشركتهم في الهداية .
قال الواسطي : السعادة والشقاوة والهدى والضلالة جرت في الأزل بما لا تبديل فيها ، ولا تحويل وإنما يظهر في الأوقات رسما على الأجسام ، والهياكل لا صنع فيها لأحد ، وليس يقدر عليها خلق ، بل هي إرادة جرت في الأزل بعلم سابق قصرت عنه أيدي الأنبياء وإلى الأولياء بقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
وتصديق ما ذكرنا ، وما أشار إليه .
[ تفسير الآية 40 ]
قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
أي : لا يكون كون الأشياء إلا بتكويننا إياها ، إما في الإيجاد ، وإما في الهداية ، وبيان هذه الآية إنّ لذاته تعالى صفات قديمة أزلية ، منها الإرادة والمشيئة ، وهما سابقتان قبل كل سابق ؛ لأنهما قديمتان جرتا لكون الكون وما فيه ، لا أن تكونا تحدثان في الحق ؛ لأنه منزه عن البدء الذي خلا عنه الإرادة والمشيئة في سابق العلم .
إنّما أراد اللّه الأشياء في القدم وعلمه كان مقرونا بإرادته ، وكان الوجود موجودا في علمه مريدا لإرادته ، وكان قادرا بقدرته القديمة بإيجاد الكون بمحض الإرادة ومعلوم العلم ، ولكن لو أوجد لكان معا معا ، ولوجدان الحدثان رتبة القدم أخرها بغير علة ، ولا لوقت من الأوقات ، أراد حدوث الحدث وإحداثه فعلم وجوده ، وبعد أن كان معدوما فأوجد بتمام الصفة حتى يكون على حد الكمال ؛ لأنه تعالى خلق الأشياء بمباشرة نور ذاته وجميع صفاته ، فالقول منه صفة من صفاته ، فقال للمعدوم : كن بتكويننا إياك حتى يكون ذلك المعدوم