لا يلحقه كراهية بعد ، إلى أن علم إلى أين مقصده ، وبأمر من قام وقصد .
وقال الجنيد : في هذه الآية دليل على أن مراد البلوغ إلى مقصده يجب أن يكون أقل أمره ، وقصده الجهد والاجتهاد ؛ ليصل بركة ذلك إلى مقصوده .
[ تفسير الآية 8 ]
قوله تعالى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
إنّ اللّه سبحانه خير الإفهام والعقول عن حصر أفعال وبدائع صنعه ؛ لأنها قاصرة بفتورها عن إدراك لطائف فعل وعجائب قدرته ما يصدر من غيبه من الآلاء والنعماء ، أي : إذا عجزتم عن إدراك الخلق فكيف لا تعجزون عن إدراك الخالق وهو قادر أن يخلق على أدابر نملة ألف ألف عرش ، وألف ألف كرسي ، وألف ألف عالم ، يخلق بساتين الروحانية في قلوب الأطيار والوحوش والبهائم ، وهم بها يعيشون ، ويحيون ، ويسرحون ، ويخلق في قلوب الجن جنان الرحمة ، ونيران العذاب ، ويخلق في قلوب الملائكة بحار التسبيح والتهليل ، ويخلق في قلوب عقلاء المجانين عيون الحكم والمحبة والشوق والمناجاة ، ويخلق لعشاق حضرته من العارفين من صور الروحانية عالما في عالم ، ويتجلى بجوده وجلاله منها لهم ، ولا يعرفها إلا شائق عاشق واقف بأسرار الربوبية .
روى الضحاك عن ابن عباس في قوله :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
قال : يريدان عن يمين العرش نهرا من نور ، مثل السماوات السبع ، والأرضين السبع ، والبحار السبع ، يدخله جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل ، فيزداد نورا إلى نوره ، وجمالا إلى جماله ، وعظما إلى عظمه ، ثم ينتفض فيخرج اللّه من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ألف ملك ، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور ، وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه ، إلى أن تقوم الساعة .
قال بعضهم : علمك الحق الوقوف عندما لا يدركه عقلك من آثار الصنع ، وفنون العلوم لا تقابله بالإنكار ، فإنه خلق ما لا يعلمه أنت ولا يعلمه أحد من خلقه إلا من علّمه الحق ، ألا ترى يقول :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
.
قال : القسم مقدر عليكم من أفعالكم ما لا تعلمون إلا في وقت مباشرته ، وهو عالم به ؛ لأنه الذر قدر وقضى .
وقال الواسطي : يخلق فيكم من الأفعال ما لا تعلمون إنها لكم أم عليكم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 9 إلى 10 ]
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 )