تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
والسرائر ، أو خبر عن وقوع كشف عالم الملكوت ، أو خبر عن اختصاص الربانية من لمعان أنوار الذات والصفات ، فالملائكة يخبرون أرباب القلوب من أسرار ما وصفنا ومخاطبتهم مع القلوب ، ألا ترى كيف قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
وأما وحي الصفات يكون بأنواع على مراتب الصفات تخاطب الأرواح على قدر سيرها في عالمها ، وأما وحي الذات يكون مع الأسرار ، وهناك يتزلزل الصفات ، ويتغير الأفعال ، تضمحل الرسوم ، وتسقط الوسائط يحدث في السر بالسر للسر ويظهر للسر ما في السر . قال عليه السلام : « إنّ في أمتي محدّثين مكلّمين ، وإنّ عمر منهم » « 1 » . فالمحدثون الذين يتحدث معهم الملائكة والمكلمون الذين يكلمهم اللّه ، يجوز أن يحدثهم اللّه ، وبيان قوله سبحانه :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
الروح الوحي الإلهي سمّاه بالروح ؛ لأنه كلامه صدر من ذاته ، وهو حياة قلوب الصديقين من المكلمين والمحدثين ، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين ، يحييهم بعلمه من موت الجهالة ، بخبر الأولياء من وحيه ما يهذب قلوب السامعين ، وهو توحيده ، ووصف عظمته ، وكبريائه ، ليسقط عنهم الخيال ، وليزل عن قلوبهم المحال بقوله :
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
خوّفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري ، وخوّفوهم من عظم جلالي ، ونعوتي الشاملة على كل أسرار وأخطار . قال بعضهم : من أنذر وحذّر فقد قام بمقام الأنبياء ، ربما يأتي أمره بالبلاء ، وربما يأتي أمره بالرحمة ، فالصبر في الأوقات والرضا بأمر اللّه ، وذلك لكل أوّاب حفيظ ، يحفظ أوقاته ، ولا يضيع أيامه . قال ابن عطاء : المحدث من العباد من يكلمه الملك في سره ، ويطلعه على خصائص الوجود ، ويفتح لروحه طريقا إلى الأشراف على الموت . قال اللّه :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
. قال الأستاذ : في قوله : ينزل الملائكة بالروح على الأنبياء بالوحي والرسالة ، وعلى أسرار باب التوحيد ، وهم المحدثون ، فالتعريف للأولياء من حيث الإلهام والخواطر ، وإنزال الملائكة على قلوبهم ، غير مسدود ، ولكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك ، ولا يحملون رسالة إلى الخلق . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 6 إلى 8 ] وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 )
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .