تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
قال الجنيد : لتسألن أهل الحقائق عن تصحيح ما أظهروا للناس من الدعاوي وتحقيقها ، وبلغني أن بعض المشايخ قال لبعض المريدين : إياك وهذه الدعاوي فإن اللّه سائلك عنها . فقال المريد : لو علمت أن اللّه يكلمني في القيامة ويسألني عن هذا ، لما كان مني في طول عمري إلا هذا ، وأنا ممن يصلح لمخاطبة الحق ، وللوقوف بين يديه ، وسقط فمات . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 97 إلى 99 ] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )

[ تفسير الآية 98 - 97 ]

قوله تعالى
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
واسى الحق حبيبه بما سمع من أعدائه ، وقال : أنت بمرأى منّا يضيق صدرك من لطافتك بما يقول الجاهلون بنا في حقنا بما لا يليق بتنزيهنا فترة ، أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا ، فإن مثلك ينزهنا لا غير ، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا ، وتخرج من ضيق الصدر في مشاهدة جمالنا ، فإذا كنت تعايننا يسقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم . وقال الواسطي : تعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فينا من الضد والند والشريك ، فسبح بحمد ربك لا تضيق به صدرا ، فأنا في الأزل نزّهنا صفاتنا عما أحدثوه من هذه الألفاظ . قال بعضهم : يضيق صدرك بما يقولون إذا رجعت إليهم ، وسمعت منهم ، أرجع إلى مشاهدتنا ، فإنه وطن الحق ، ولا يضيق صدرك . قال الواسطي : هذا تعزية للمحسودين من العلماء ، فقال : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون بجهلهم وحسدهم فيكم ، ثم أمرهم بلزوم طاعته بقوله :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
. قال الأستاذ : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ولم يقل قلبك ؛ لأنه كان في محل المشهود ولا راحة للمؤمن دون لقاء اللّه ، ولا يكون مع اللقاء وحشة ،

[ تفسير الآية 99 ]

ثم أمر حبيبه بخالص العبودية عن كدر الخليقة بقوله :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
اليقين ها هنا مشاهدة الصرف ، أي : إذا بلغت مقام التوحيد به ، وحقيقة الرؤية ، ومشاهدة مشاهدة الأزل ، وغبت في بحر الأبدية ، سقط عنك في تلك الحال ، تظاهر الرسوم حتى تفيق عن تلك الحالة . قال في مقام المشاهدة : الاشتغال بالعبادة ترك الأدب ، وما أردنا بهذا التفسير خلع ربق العبودية عن أعناق أهل المعرفة ، لكن أردنا أن العارف إذا عاين الحق يكون مجذوبا بشوق