تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
شواهدهم ويثبتهم في شواهد الحق ، يمحوا اسم نفوسهم عن نفوسهم ، ويثبتهم برسمه . قال ذو النون : العامة في قبض العبودية إلى أبد الأبد ، ومنهم من هو أرفع منهم درجة غلبت عليهم مشاهدة الربوبية ، ومنهم من هو أرفع منهم درجة جذبهم الحق ، ومحاهم عن نفوسهم ، وأثبتهم عنده ، لذلك قال :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
. وقال سهل : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت الأسباب ، وعنده أم الكتاب القضاء المبرم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان . وقال ابن عطاء : يمحو اللّه أوصافهم ويثبت بأسرارهم ؛ لأنها موضع المشاهدة . وقال الشبلي : يمحوا ما يشاء من شهود العبودية وأوصافها ، ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها . وقال بعضهم : يمحو اللّه ما يشاء يكشف عن قلوب أهل محبته أحزان الشوق إليه ، ويثبت بتجليه لها السرور والفرح . قال جعفر : الكتاب الذي قدر فيه الشقاوة والسعادة لا يزاد فيه ولا ينقص ،
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 )
[ ق : 29 ] . ويقال : يمحو العارفين بكشف جلالهم ، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله . وقال الأستاذ : المشية لا يتعلق إلا بالحدوث والمحو ، والإثبات لا يكون إلا من أوصاف الحدوث ، وصفات الحق سبحانه من كلامه وعلمه لا تدخل تحت المحو والإثبات ، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله ، وقيل يمحوا اللّه عن قلوب مريديه همم الإرادات ، ويرتقي بهم إلى أعلى الدرجات . قال الواسطي : يمحو ما يشاء عن رسمه ما أثبته في وسمه ، ويمحو ما يشاء عن وسمه ، وهم الأولياء وخاصة . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 41 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 )
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 )
.

[ تفسير الآية 41 ]

قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
، وظاهر الآية معروف بفتح الأمصار لأهل الإسلام ، ولكن فيه إشارة عجيبة أنه تعالى إذا أراد بجلاله أن يزور عارفا من عرفائه ومحبا من أحبائه تجلى من ذاته وصفاته له ؛ فيقع أثار تجليه بنعت العظمة والكبرياء على الأرض فتروي الأرض من هيبة جلاله حتى تصير كخردله ، وذلك من غيبة من الخلق ، قال اللّه تعالى :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
يا ليت للعاشقين لو يرون ذلك
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 248 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )