من أنوار الربوبية ، ويستقيم في حال العبودية ؛ فإن الربوبية في العبودية مكر الحقيقة ، ومن نظر من العبودية إلى الربوبية في نفسه فقد أشرك ؛ لأنه مخدوع باللّه عن اللّه .
سئل أبو حفص عن العبودية ، قال : ترك كل مالك ، وملازمة ما أمرت به .
وقال أبو عثمان : العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الأمر .
وقال ابن عطاء والجنيد : لا يرقى أحد من درجات التوحيد حق يحكم فيما بينه وبين اللّه أوائل البدايات ، وأوائل البدايات هي الفروض الواجبة ، والأوامر الزكية ، ومطايا الفضل ، وعزائم الأمر ، فمن أحكم على نفسه هذا منّ اللّه عليه بما بعده .
[ تفسير الآية 37 ]
قال اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا
أي : بيّنا حكم عربيا يا عربي ، وذلك الحكم ما حكمنا في الأزل بأنك خير البرية ، وأعطيناك استعداد قبول تخلقك بخلقنا واتصافك بصفاتنا ، فإذا اتصفت بصفتنا رأيتنا بنا وخرجت في مشاهدتنا من الالتفات إلى غيرنا من العرش إلى الثرى ؛ فوصفناك في كتابنا بقولنا :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
فتجريد توحيدك حكم عربي بيّناه منك لأمتك ؛ ليتصفوا بصفاتك ويتخلقوا بخلقك ،
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
حيث تخلقت بخلقنا .
قال بعضهم : أحكام العرب السخاء والشجاعة ، وهما من عرى الإيمان .
قال الحسين بن الفضل : في هذه الآية تصحيح حكم القيافة ؛ لأنه لا حكم ينفرد به العرب إلا حكم القيافة .
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 38 إلى 40 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 )
[ تفسير الآية 38 ]
قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
وصف سبحانه تمكين نبيه صلى اللّه عليه وسلم في رسالته ، كما وصف الرسل بالتمكين ؛ حيث لا يغيره صفات البشرية عن أسرار ما وجد من اللّه من حقائق القربة والمحبة ، بل الأزواج والذرية كانت له صلى اللّه عليه وسلم معينة في بحر سكره ، ولولا قسمته أبحر نسبوته متعلقة من تحت سفينة نبوته في بحار محبته ومعرفته ، لطارت تلك السفينة بصرصر رياح الأزل في هواء الأبد ، ولبقى الحدثان بلا عروس الرحمن ، ولم يظفر أحد بحقائق الإيمان .