تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وإن كسبت معرفته وتوحيده في رؤية سحاب أنوار ذاته ؛ فإن قصرت للنفس الأول في عبوديته بالتفاتها إلى حظها أخذها الحق بعقوبة المجاهدة ، وإن قصرت النفس الثاني في محبته بأنها استلذّت محبته ، ووقفت باللذّة عنه أخذها الحق بأن وقعها في بحر النكرة ، لكن الأخذ ها هنا الزيادة معرفتها لأنه سبحانه مشفق على النفس العارفة ، وهو تعالى أخذ هذه النفوس قائم بنعت حفظ أنفاسها في طلبها الحق . قال الجنيد : باللّه قامت الأشياء ، وبه فنيت ، وبتجليه حسنت المحاسن وباستنارته قبحت وسمحت . قال محمد بن الفضل : لا تغفل عمن لا ينفك عنك وراقبه ، وكن حذرا . قال اللّه :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
ثم بيّن سبحانه أن من لم يعرف المحيط بكل شيء القائم على كل نفس ممن دونه من الحدثان ، إن ذلك من قهره عليه وتزيين كفره في عينه بقوله :
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
زيّن اللّه مكرهم بمكره فيهم في الأزل في عيونهم حتى رأوه مستحسنا وهو من أقبح القبائح ؛ لأنه موضع هلاكهم وصدهم عن معرفته وحسن مشاهدته ، وكيف يخلصون بمكرهم من مكره ويعرف مساوئ مكرهم بعد أن زيّن اللّه مكرهم لهم ، قال تعالى :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
. [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 35 إلى 37 ] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ( 35 ) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 )

[ تفسير الآية 35 ]

قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها
أي : صفة الجنة التي وعد المتقون ، وهو جنة مشاهدة الذات تجري من تحتها أنهار الصفات ، ثمره ثمر أشجار الصفات والذات للمتجردين عن الحدثين دائم بأنهم يعينونها بلا حجاب ، ويعيشون في ظلال تجليها بلا غصة ولا حجاب ، تلك منازل أهل الأشواق إلى رؤية الملك الخلاق المتبرئين من الشرك والنفاق .

[ تفسير الآية 36 ]

قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا
ما دام في حيز الحدوثية ، وإن رأى ما رأى عليه من أنوار الربوبية ووفق عليه بألا يلتفت إلى ما بدا في نفسه
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 244 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )