[ تفسير الآية 47 ]
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
: إنّ السؤال لا يستحسن إلا بالعلم بالمسؤول ، ولمّا علم موضع الخطأ تواضع بجبروته وخاضع ملكوته ، أي : إن لم تغفر لي ترك الأدب وترحمني بتسهيل أمر الربوبية في العبودية عليّ أكن من الذين فقدوا حقائق المعرفة في العبودية .
قال أبو سعيد الخرّاز : إن نوحا عليه السلام وهو من أهل الصفوة وأولي العزم من الرسل هج وكدح لربه ألف سنة إلا خمسين عاما .
[ تفسير الآية 48 ]
ثم قال :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
، فعوتب عليه ، فأبكاه ذلك سنة حتى قال :
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
، فكان دهره بطلب المغفرة من هذه الكلمة ، ونسي ما كدح وعني واجتهد لما رجع إلى اللّه ، وتواضع للكبرياء ، ألبس اللّه عليه لباس العافية والأمن من أنوار قربه وحضرته بقوله :
يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
أي : اهبط بوصف التخلّق والاتصاف بصفتنا من سفينة الحقيقة بسلامة منا ، بأنك بعد ذلك لا تفنى في سطوات عظمتنا إذا اتصفت بصفتنا ؛ لأن بركة وصلتنا معك تنجيك بركة مني ، وبركتك مع قومك تنجيهم من عذاب فرقتي ،
[ تفسير الآية 49 ]
ثم هو تعالى شرّف نبينا صلى اللّه عليه وسلم بكشف أنباء الغيب بقوله تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ
الكشف والأنباء على مرتبتين ، الأولى : للأرواح قبل الأشباح في ديوان الغيب حتى رأت بنور الغيب أسرار المكتوم ، والأخرى : بعد كونها في الأشباح ، فترى ويسمع ، وسمعت في الغيب قبل دخولها في الأشباح تحديد المكاشفة ، وتذكير العقود المشاهدة ، وما قال سبحانه :
ما كُنْتَ تَعْلَمُها
أي : قبل كون روحك ، وأمّا بعد كون روحك علمت ما كان وما سيكون ، وهاهنا تسلية قلبه عليه السلام في احتمال البلوى عن أهل الجفاء ابتداء بأهل الوفاء من أولي العزم من الرسل .
وتصديقه قوله تعالى :
فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
أي : اركب مركب الصبر معي في ظهور حقائق وجودي ولطائف بلائي في ميادين التقوى من غيري ، من العرش إلى الثرى ، بالهمة الرفيعة فوق العلا ، فإنّ عاقبة المتقين المتبرئين من غيري بي وصالي والنظر إلى جلالي وجمالي .
قال الجنيد : كشف اللّه لكل نبيّ ظرفا من الغيب ، وكشف لنبينا صلى اللّه عليه وسلم أنباء الغيب ، وهو الغاية في الكشف ، فكان مكشوفا له من الغيب ما لا يجوز أن يكون مكشوفا لأحد من المخلوقين ، وذلك لعظم أمانته وجلال قدره ؛ إذ الأسرار لا تكشف إلا للأمناء ، فمن كان أعظم أمانة كان أعظم كشفا .
قال النصر آبادي : نجاة العاقبة لمن رسم في الأزل رسم التقوى ، وحلي به ، قال اللّه :
فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
.