تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
والذات عليها بإرجاعها إلى مشاهد الأفعال والآيات ، واندرس عليها مسالك الازال والآباد ، وهذا معنى قوله :
وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
: جرى عليها أحكام معارف الذات والصفات ، وغرق منها ما دون الذات والصفات في الذات ، والصفات من النفوس ، وهواجسها والشياطين ووساوسها ، والعقول ومراتب مقاماتها ، والكونين والعالمين ، واستوائها بنعت التمكين على جودي الطريق ، والحقيقة أن تكون ساكنة بعد الاضطراب في المواجيد ، وصاحية بعد السكر بأشربة بحار المقادير ، وهذه برمتها مشروحة في قوله النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث دنا من الوصال وتدلى إلى مشاهدة الجمال ، وكان بين قاب قوسي الأزل والأبد بقوله :
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
، واستعاد في دنو الدنو من الغرق في بحار الأزل والفناء في ميادين الأبد من قهر طوفان قلزم الكبرياء والعظمة ، بما سبق له من حسن عناية القدم بنعت الرضا بقوله : « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك » « 1 » ، كان عليه السلام في مدارك الصفات ، ومرائي أنوار الذات سابحا في بحر حقائق الأزلية ، فخاف من فنائه في قهر النكرات ، ففرّ تارة من الصفة إلى الصفة ، وتارة من الفعل إلى الفعل ، ومن الذات إلى الذات تارة ، فقال : أعوذ برضوان عنايتك ، ومن سخط غيرتك عليك ، أن يعرفك أحد غيرك ، وأيضا أي : أعوذ برضوان جمالك من سطوات جلالك حتى لا أفنى بك فيك ، وأعوذ برضا بقائك من صولة عساكر قدمك . فلما دار في الصفة وخاف من الزوال فرّ منها إلى أنوال الأفعال ؛ ليروح فؤاده الغائب في الألوهية عن أثقال رجاء العزة ، فقال : « أعوذ بمعافاتك من عقوبتك » « 2 » : بمعافاة دعائك الأزلي من عقوبة هجرانك الأبدي ، فلما استروح من أثقال السير في الصفات بلطائف الأفعال رجع إلى مشاهدة الذات ، فقال : « أعوذ بك منك » « 3 » : أعوذ بفردانيتك من حلاوة جمال مشاهدتك ، التي تصير العاشق بك بنعت وحدانيتك ، حتى يخرج بدعوى الأنائية في مشهد تنزيلها ، أعوذ بك من هذا المكر حتى أكون لا أكون أنت تكون ، وأزول كما لم أزل أزول ، وتكون كما لم تزل تكون ، فلما فني عن رسوم العبودية وعن مشاهد الربوبية من الأفعال والصفات وبقي بإزاء أنوار الألوهية بنعت استقامة التوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث ، واستعار من الحقّ لسان الأزلي ، وأثنى به عليه ، فقال : « لا أحصي ثناء عليك » « 4 » ، ثم أخرج
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) تقدم تخريجه .