تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
الموارد والمشارب في زمان الأول حين خرجوا من العدم بنور القدم .
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
: خطاب تعريف وتذكير معاهد الأولية ، وأنشد في معناه :
سقيا لعهدك الذي لو لم يكن * ما كان قلبي للصبابة معهدا
سقى اللّه أياما لنا وليالي مضت * فجرت من ذكرهنّ دموع
فيا هل لها يوما من الدهر أوبة * وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع
سلام على سلمى وإن شطّ دارها * سلام على أرض قديم بها العهد
في الأول كانوا غائبين عنه ، فأدركهم نور محبّته ، فأولهم قبل ظهورهم في لباس آدم ، فلمّا عرّفهم تلك الحلاوة ذكروا ما وجدوا ، وأنشدوا :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف صبّا فارغا فتمكّنا
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
: لأهل اللطف خطاب تعطف ، ولأهل القهر خطاب تعظم ، خاطب العارفين بتعريف المشاهدات ، وخاطب الجاهلين بالقهر والامتحانات ، فاعترفوا جميعا بوحدانيته طوعا وكرها ، طوعا لأهل العرفان ، وكرها لأهل العماء والطغيان . ولولا خطابه وإنطاقه بالقدرة الأزلية ما قالوا جميعهم بني إلا أهل شهود جماله ، فلما خاطبهم فرح أهل محبته ، فطاروا بأجنحة توحيده في هواء وحدانيته فرحا وسرورا بجماله ، وتحيّر أهل الحجاب ، فبهتوا وتاهوا في أودية قهره ، ثم عظّم ميثاقه تعالى معهم بشهوده إيّاهم بقوله :
شَهِدْنا
: أخبر عن كشف نقاب الأزلية عن وجه السرمدية لأهل المعرفة ؛ لئلا ينسوه طرفة عين إلى أبد الآبدين ، وإن كانوا في حجب الامتحان ؛ لأن العاشق يرى معشوقه في رؤية جميع البلاء ، وكيف يحتجب المحبّ عن محبوبه ، ومحبته محيطة بجميع وجوده :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
قال أبو سعيد الخرّاز في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
: ترابا لأهل الإيمان بالسكون ، فعرفوه ، وسكنوا واطمأنوا ، وترابا لأهل الكفر بالتعظيم ، فطاشت عقولهم ، فتفرقوا عنه . وقال يوسف : قد أخبر أنه خاطبهم ربهم ، وهم غير موجودين إلّا بإيجاده لهم إذا كانوا واجدين الحق من غير وجودهم لأنفسهم ، كان الحق بالحق في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ، ولا يجده سواه . قال بعضهم في قوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قالوا : بلى من غير مشاهدة ، ثم كوشفوا ، فشهدوا ما خوطبوا به ، قالوا شهدنا أي : شهدنا حقائق حقك .