تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
كذبهم بما قالوا على اللّه ما لم يعرفوا منه . وكذا حال المدّعين إلى يوم القيامة ، وثق الحق سبحانه في كلامه على الصدّيقين ، ألا يقولوا على اللّه إلّا ما وصف به نفسه من التنزيه والتقديس من أوصاف الحدثان ، وأن من العرش إلى الثرى تجري على مقاديره السابقة ، ومشيئته القديمة . قيل : ألم يبيّن لهم على لسان الوسائط ، وفي الكتب المنزلة ألا يصفوا الحق إلا بنفاذ المشيئة وعلو القدرة ، ثم بيّن سبحانه أنهم علموا بميثاق اللّه في كتاب اللّه ، وتركوا ما ندبوا إليه من سني المعاملات ، ورفيع المقامات ، بقوله :
وَدَرَسُوا ما فِيهِ
« 1 » : درسوا ، وما عرفوا حقائقه ، ولو ذاقوا طعم الخطاب تابعوه ببذل المهجة . قال سهل : تركوا العمل به . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 172 إلى 174 ] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
. أخبر سبحانه عن سرّ تقدير الأزل الذي في نفسه في أول الأول ، قبل كل قبل ، بلا تغاير الزمان وتواتر الملوان ، وذلك إرادة سابقة أزلية ذاتية صفاتية أحدية ، تكون بوجود إيجاده بظهور وجوده تعالى له ، فتقاضت الإرادة من العلم ، والعلم من القدرة ، والقدرة من جميع الصفات ، والصفات من الذات بغير تفرقة ، ولا جمع بل الوحدانية ، فأجابت الصفات للذات ، والذات للصفات من غير حاجة ، ولا وحشة ، ولا أنس بالحدثان ، بل الموجود أهل العرفان ، فمضت أدهار الأزلية بلا زمان ولامكان ، بل قدم في القدم ، وأزل في الأزل أخبر عن علم القديم ، لا من الوقت ألا ترى قوله :
وَإِذْ
، وليس عنده صباح ومساء لما تم أدهار الأولية ، التي هي دهر الدهار المنزّهة عن المكان والزمان ، وتمامها وقت إيجاد الأكوان والحدثان ، وإبراز أهل العرفان من معدن العيان تجلّت أنوار الذات لأنوار الصفات ، وتجلّت
هامش
( 1 ) يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان ، يعني التعرض لنفحات فضله - سبحانه - خير لمن أمّل جوده من مقاساة التعب ممن بذل - في تحصيل هواه - مجهوده ، تفسير القشيري ( 2 / 461 ) .