تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
المعنى البادي عليه ، أي : لا أحب زوال ما استوفاني من لذة المشاهدة ، فأذهلني ، وأحضرني فيه . وقال بعضهم : لمّا أظلم عليه الكون ، وعمي عن الاختيار ، وألجأه الاضطرار إلى نفس الاضطرار ، ورد على قلبه من أنوار الربوبية ، فقال :
هذا رَبِّي
. ثم كوشف له عن أنوار الهيبة ، فازداد نورا ، فصاح ، ثم أفني بنور الإلهية عن معنى البشرية ، فقال :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
، ثم أبقي ببقاء الباقي ، فقال :
يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
. قال الواسطي في قوله :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
: لئن لم يقمني ربي على الهداية التي شاهدتها بإعلام بواديه لأكونن من الضالين في نظري إلى نفسي ، وبقائي في صفاتي . قيل في قوله :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
من الاستدلال بالمخلوقات على الخالق بعلمي ، إنه لا دليل على اللّه سواه . قال الواسطي في قوله تعالى :
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أي : مني الدعوة ومن اللّه الهداية . وقال جعفر عليه السلام في قوله :
إِنِّي وَجَّهْتُ
يعني : أسلمت قلبي للذي خلقه ، وانقطعت إليه من كل شاغل ، وشغل بالذي فطر السماوات والأرض ، فإن الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وأظهر فيها بدائع صنعه قادر على حفظ قلبي من الخواطر المذمومة والوساوس التي لا تليق بالحق . قال بعضهم : كان لإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام مقامات : الأول : مقام الفاقة ، والثاني : مقام النعمة ، والثالث : مقام المعذرة ، والرابع : مقام المحبة ، والخامس : مقام المعرفة ، والسادس : مقام الهيبة ، فتكلم في مقام الفاقة بلسان الدعوة فقال :
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
[ إبراهيم : 40 ] ، وفي مقام النعمة بلسان الشكر ، وقال :
الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
[ الشعراء : 79 ] ، وفي مقام الاعتذار بقوله :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
[ الشعراء : 82 ] ، وفي مقام المحبة بلسان المودة :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
[ الأنعام : 78 ] ، وفي مقام المعرفة بلسان الانبساط :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] ، وفي مقام الهيبة بالسكون لمّا قال له جبريل عليه السلام : « هل لك من حاجة ؟ قال : أما