تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
له في المريدين . ومنها : أن يمنيهم بطول العمر ، ونيل الدرجات في شيخوختهم بأن تقاعدوا عن استعمال رسوم المعرفة ، وكل هذا غرور الملعون ، ولا يشتري غرور إلا من فرّ من أمانة النفس في طريق اللّه ، وكل هذا معنى قوله تعالى في وصفه :
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
، والغرور وله للمريدين أنك قد بلغت منتهى المقامات ، وآخر الدرجات فاسكن من مجاهدتك ورياضتك ، واجلس في مجلس الشيوخ ، وتكلّم بكلامهم ، أنت أعظم منهم ، حتى يدور حولك المريدون ، وأراد بذلك الغرور أن يوقعه إلى حب الجاه والرئاسة ، فيهلك فيها كهؤلاء المطرودين في زماننا ، طهّر اللّه وجه الأرض منهم ، ومن أمثالهم . قال بعضهم :
يَعِدُهُمْ
طوال العمر ، والموت غايتهم ،
وَيُمَنِّيهِمْ
« 1 » الغنى والفقر سبيلهم ،
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
ما يقربهم من الدنيا ، ويبعدهم عن الآخرة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 123 إلى 125 ] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) قوله تعالى :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
حقيقة هذه الآية قطع أسباب الحدث عن جناب القدم ، وإفراد الأزل عن الحوادث ، وأن الخليقة للعبودية لا للربوبية ، أي : ما دمتم في رقّ العبودية يجازيكم بأعمالكم ، ليس كما يجري على خواص الأولياء ، أنا ما دام بيني وبينهم نسبة المحبة لا أجازيهم باشتغالهم بغيري ، ولا أحاسبهم بالعثرات والزلات ؛ فإني منزّه عن أن يدركني أحد بنعت الحقوق منه عليّ ، فحقوقي قائمة على عبادي أبدا ، وهذا معنى قوله :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
لأنه وإن كان عزيزا عليّ لم يخرج من رقّ العبودية ، وأنا أجازيه بالسيئة بعد أن أوقعته فيها تربية لا حرمانا ، وإذا مال خاطر العبد العارف إلى مراد نفساني فذلك الخاطر في حساب المعرفة سوء ، فيجازيه باستعماله ، وهذا إشارة قوله :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
، فذلك أسوأ جزاء سوء الخاطر ، وسوء الخاطر امتحانه لتربيته ، ومن لم يعرفه فوجوده
هامش
( 1 ) ما لا ينالون نحو ألا بعث ، ولا حساب ، ولا جزاء أو نيل المثوبات الأخروية من غير عمل . تفسير حقي ( 3 / 98 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 278 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )