وأسكرهم بجمال وجهه ، وحثهم إلى مسامرته وذوق فهم طعم لطف مناجاته ، فإذا سكنوا من سطوات مشاهدة جلاله ، وأفاقوا من سكر جماله لحظة احتالوا لزيادة محبته في أخذهم طريق بذل المهجة لمحبته ، ورجعوا إلى سنن المجاهدات وحقائق العبادات ، أمر بعضهم بعضا ببذل الأرواح والأشباح ؛ لشوقهم إلى عالم الأفراح ، وأمروا بالمعروف بحكمهم على النفوس الأمارة بإذابتها في المجاهدة بنيران الرياضة ، ويراعي بعضهم بعضا بحسن النصيحة وآداب الطريقة ، ويسألون اللّه صلاح هذه الأمة من كمال شفقتهم على عباد اللّه وبلاد اللّه ، وهم المستثنون من قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
، وبيّن أن ذلك لزيادة رغبتهم في مشاهدة اللّه ، وشوقهم إلى جماله ، وهو تعالى وعدهم بتضعيف زيادة كراماته ودرجاتهم بقوله تعالى :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
.
قيل في تفسيره :
لا خَيْرَ
في الاجتماعات إلا ما يعود نفعه عليك أو على أهل مجلسك .
وقيل :
إِلَّا مَنْ أَمَرَ
تصدّق بنفسه بمنعه عن أذى المسلمين ، وارتكاب المحارم .
أَوْ مَعْرُوفٍ
قيل : المعروف حثّ النفس على سبيل الرشاد .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 118 إلى 122 ]
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 )
قوله تعالى :
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
، لما التصق رغام الإياس في أنف إبليس من إغواء الأولياء والمخلصين حيث يئس في سماع خطاب الحق جل سلطانه في وصف إحسانه من جميع العباد بقوله :
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] ، رأى بعد ذلك في حواشي ساحات قلوبهم مجاري ضيقة تجري فيها للنفس الأمارة وهواجسها ، قال : لما يئست من انقطاع المريدين عنه
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً
، يعني : ألتقط قطيعات من هواهم ونفوسهم نصيب وسواسي أوسوسهم من وراء القاف ؛ لأني لو دنوت منهم بالمباشرة