تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وإخلاصهم ألبس أسرارهم الصفاء ، فبين الوفاء والصفاء صاروا في الأخوة صادقين ، وفي المحبة مخلصين ، وفي الصحبة منصفين ، وفي المصادقة موقنين ، وفي الجملة الألفة بين قلوب الأصفياء بالتفاوت على مرسوم المقامات ، ومراتب الحالات « 1 » . وافهم أن اللّه تعالى إذا جمع الأرواح في مشاهدة قربة بعد إنشائها ، فأكرمها بعضا بإدراك مقام التوحيد ، وبعضا بمقام المعرفة ، وبعضا بمقام المحبة ، وبعضا بمقام المكاشفة ، وبعضا بمقام المشاهدة ، وبعضا بمقام الأنس والوجد والحالات ، والألفة بينهم على قدر قران مقاماتهم بعضها بعضا ، وجعل الجميع بعضهم على بعض رحمة وهداية وعصمة ، كما قال عليه السلام : « المرء كبير بأخيه » « 2 » . وقال عليه السلام : « المؤمنون كالبنيان تشد بعضهم بعضا » « 3 » . فمن وافق في مشهد الأزل على مدارج جميع المقامات صار بين الأقران محبوبا ومعشوقا وإماما بما وجد أصول حقائق القوم وإدراك حقيقة مقاماتهم ، ومن لم يبلغ جميع المقامات صار حاله بخلاف ذلك ، فالتآلف أوصاف الأولين ، والتناكر نعوت الآخرين ؛ لأنّ أرواحهم احتجبت بعضهم بعضا ، كما قال صفير الصفات ، وسفير مشاهد أسرار الذات ، سيد البريات ، وقائم قوائم مهاد الأزليات ، صلوات الرحمن عليه : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » « 4 » . قيل : كنتم أعداء بملازمة حظوظ أنفسكم ، فألّف بين قلوبكم ، وأزال عنكم حظوظ النفس وردكم منها إلى حظ الحق فيكم . وقوله تعالى :
وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
أي : كنتم في قعر بحار غضب الأزل امتحانا لا حقيقة ، فأنقذكم منها عصمة رضا القدم المنعوت بعناية شرفكم ، واصطفاء نيتكم بالمعارف والكواشف ، وذاك قوله : « سبقت رحمتي غضبي » « 5 » . وأيضا أي : كنتم محجوبين بعوارض بشريتكم ، محترقين بنيران شهواتكم ، فأنقذكم منها أنوار المعرفة ، وسنا الأزلية ، وضياء القربة ، وأذاقكم طعم شراب وصلته ، حتى صرتم في طلب مزيد الوصال إخوان كل عاشق محب صادق في طلب رضاه .
هامش
( 1 ) بالخلاص من أسر المكونات ، ودفع الأخطار عن أسرارهم ، فصار مقصودهم جميعا واحدا ؛ فلو ألّف ألف شخص في لب واحد - فهم في الحقيقة واحد . انظر : تفسير القشيري ( 1 / 365 ) . ( 2 ) ذكره ابن حجر في « لسان الميزان » ( 7 / 115 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 467 ) ، ومسلم ( 2585 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 3158 ) ، ومسلم ( 2638 ) . ( 5 ) رواه البخاري ( 7114 ) ، وأحمد في مسنده ( 2 / 242 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 191 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )