[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 105 ]
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 )
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
حق التقوى الفناء تحت سلطان الهيبة والتحير بنعت الحياء في مقام المعرفة ، وذوبان القلب في رؤية العظمة من سطوة جلال المشاهدة .
وأيضا حق التقوى : صون المعهود وحفظ الحدود والخمود تحت جريان القضاء بنعت الرضا .
وأيضا حق التقوى : ترك الأكوان والحدثان لمشاهدة الرحمن ، وأيضا نية الأصفياء بركضة تعريفه حقيقة عين القدم بهم ؛ ليعرفوا حق الربوبية بأداء حقيقة المعبودية ، وألزمهم الاستقامة عليها ، أي : اعرفوني بحق المعرفة ، ولا تأتوني إلا بشرط الاستقامة ، أي : لا يصادقكم الوفاة إلا وأنت بشرط الوفاء وهو معنى قوله :
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
.
وقال سهل : أمروا أن يعبدوه بالتوكل عليه ، والتفويض إليه ، أي : لا يعرجون في الدارين على من سواه .
قال الشيخ أبو عبد الرحمن :
حَقَّ تُقاتِهِ
تلف النفس في مواجبه .
وقال القاسم : بذل المجهود ، واستعمال الطاعة ، وترك الرجوع إلى الراحة ، ولا سبيل إليه ؛ لأنّ أوابل طرف الوصول التلف .
وقال الواسطي : هو إتلاف النفس في مواجبه .
وقال ابن عطاء :
حَقَّ تُقاتِهِ
هو صدق قول لا إله إلا اللّه ، وليس في قلبك شيء سواه .
وقال بعضهم : إرادته أن يعرفنا مواضع فضله فيما رغمنا فيه من استعمال مواجبه ؛ لأن واجب الحق لا يتناهى ، والعمل لا يتناهى .
وأيضا قال ابن عطاء : حقيقة التقوى في الظاهر محافظة الحدود ، وباطنه النية والإخلاص « 1 » .
هامش
( 1 ) وقيل : وحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان ، وصون العهود ، وحفظ الحدود ، وشهود الإلهية ، والانسلاخ عن أحكام البشرية ، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جرم وظلم ، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون صرف كرمه ، والتحقق بأنه لا يقبل أحدا بعلّة ولا يردّ أحدا بعلة . انظر : تفسير القشيري ( 1 / 364 ) .