تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وقيل :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
علما واللّه حلما عن عباده . وقال ابن عطاء : عاينوا أول تربيتكم ليتخلصوا من هذه الآفات كلها ، وقال أيضا : أخرجهم بهذا الخطاب عمّا خاطبهم به من العبودية . قال الواسطي : عاينوا أوقات تربيتكم وتقديركم قبل آدم عليه السلام ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فالانتساب إلى آدم عليه السلام ، والافتخار بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ليس بالافتخار ممن قدّسك في الأزل . وقال أيضا : قال : كونوا كأبي بكر إذا أورد عليه قوادح الأمور لا يؤثر على سره حين قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم يوم بدر : « دع بعض مناشدتك ربك ؛ فإنه ينجز لك ما وعدك » « 1 » . وقال أيضا : في هذه الآية أمر إبراهيم عليه السلام بالاستسلام ، وأمر محمد صلى اللّه عليه وسلّم بالعلم ، فقال : فاعلم والاستسلام إظهار العبودية ، والعلم به التوسل إلى الأزلية والأبدية ، لذلك خاطبهم فقال :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
، وأيضا قال :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
جذبهم بهذا من الافتخار بالطين إلى الافتخار بالحق . قال الجنيد : أخرجهم من الكون جملة ، وجذبهم إلى الحق إشارة ، فإذا أردت أن تعرف مقامات الخلق ، وبواطنهم في الحقيقة ، فانظر إلى تصرف أخلاقهم تجد كل واحد قائما في أشخاصه ، استقطعه ما وافق سريرته ، فانظر بما ربطت القلوب ، فيشهد سرائرهم ؛ لأنهم أخذوا من المصادر الأول ، فمن لم يستقطعه إلا إسبال أنواره والحياء فيما ورد عليه ، أيقن كيفية باطنه على الحقيقة تنازعه في ربوبيته ، وتمر عليه في عبودية وأنت لا تشعر ، وقال بعض العرافين : أخرجهم من آدم عليه السلام وتراهم منه كي ينسوا العبودية والافتخار بالماء والطين . وقال الشبلي : أخرجهم عما خاطبهم به من العبودية ، فمن استحق العلم به استحق علم الربانية ، والرباني الذي لا يأخذ العلوم إلا من الرب ، ولا يرجع في بيانه إلا إلى الرب جلّ وعلا . وقال الواسطي في هذه الآية :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
؛ لأن تكون ابن الأزل والأبد خير لك وأحسن بك من أن تكون ابن الماء والطين والأفعال والإحصاء والعدد . وقال سهل : الرباني هو العالم باللّه والعالم بأمر اللّه ، والمكاشف له من العلوم اللدني ما غاب عن غيره ، وقال أيضا : الرباني الذي لا يختار على ربه حالا . وقال الجريري :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
أي : سامعين من اللّه ناطقين باللّه . وقال فضل بن العباس الشكلي : قال كونوا كأبي بكر الصديق ؛ فإنه لما مات محمد صلى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 3 / 1384 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 30 ) ، والترمذي ( 5 / 269 ) .