لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 » .
ومن وافى بالعهد سمي محبّا ،
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
من مال إلى حضرة الدنيا وأثرها على رؤية مشاهدة حضرة الحق ، وزين ظاهره بعبادة المقربين ، ويبيعها بحظ الرياسة ، فقد سقط عن رؤية اللقاء مخاطبة الحق في الدنيا والآخرة .
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
أي : ليس من يختص بقربة الحق وكشف مشاهدته أن يلتفت سره إلى رياسة الخلق وحرمتهم له ، وأن يرى لنفسه قيمة عند إجلال عظمة الحق ؛ لأن من بلغ تحقيق التوحيد لا يرى لنفسه وزنا عندما يبدو من تجلي عظمة الحق ، ويكون خجلا على الدوام بين يدي الرحمن من وجوده عند وجود الحق ، ويريد فناء وجوده استحياء من ربه تعالى ، ولكن ما رأى نعم اللّه تعالى من كشف جماله وقرب وصاله ، وتعرفه بالجلال والعز والكبرياء والعظمة والقهر واللطف أشفق على الخلق ، ويدعوهم إلى عبادته وطالب مرضاته ، وهذا معنى قوله تعالى :
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
، ومعنى كونوا ربانيين أمر من الحق تعالى لأنبيائه وأوليائه أي : كونوا موصوفين بصفته كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « تخلقوا بأخلاق الرحمن » « 2 » ، وهذا وصف من كساه اللّه سنا قدس جمال الأزلي ، وجلال الأبدي قبل كون طينة البشر ، فكان منورا بنور صبح القدم ، إذ الأشباح والأجسام في العدم ، فإذا سكن الأرواح في ظلم الهياكل خاطبهم الانبساط ، فقال : لا تنسبوا إلى الماء والطين ، ولكن انتسبوا إلى الحق بنعت المحبة والمكاشفة والمشاهدة والاتصاف بصفقاته ، والتربية في حجر وصاله ، وكونهم بأفعاله الخاصة بالذاتية القدمية ، وليس هؤلاء كمن كان كونه بالأمر ؛ لأن الأمر للعوام ، والفعل للخواص ، مع أن الحق جلّ من الأشكال والأشباه ، والخيال والأوهام والأفهام ، والجزء والكل ، والتبعيض والصور ، والأزمان والمكان ، تعالى كبرياؤه وجلّت صفاته ، قوله :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
أي :
لكم خاصة علم اللدني ، وعلم الكتاب والسنة والشريعة ، بها يلزم عليكم الخروج عن رسم الإنسانية ، وأوصاف البشرية .
وقال جعفر الصادق : في قوله تعالى :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
قال : مستمعين بسمع القلوب ، وناظرين بأعين الغيوب .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3628 ) ، ومسلم ( 2256 ) .
( 2 ) ذكره المناوي في « التعاريف » ( 1 / 564 ) .