تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
عرفني ؛ فقد عرف الحق » « 1 » ؛ لأن عليه كسوة الربوبية ، ويبرز من جمال وجهه نور جمال مشاهدة الحق ، والإشارة في ميثاق الحق مع الأنبياء الحبيبة ، لئلا يغيروه ؛ لأن العشاق يغير بعضهم بعضا ، والغيرة من لوازم العشق ، وأنها من صفة الحق سبحانه من تهمة البشر ، وانظر شأن موسي عليه السلام وغيرته على سيد الأنبياء محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ومقصود الحق من الميثاق صون أسرار أنبيائه عن صفات البشرية
فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
يحذرهم من اطلاعه عليهم في نصرة حبيبه والإيمان به ، وهذا غاية تشريف نبينا صلى اللّه عليه وسلّم من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام . ثم بيّن أن من حمد سره عن محبته ، وزاغ قلبه عن نور سنته ، ومال ظاهره عن طريقته وشريعته بعد ظهور معجزته وظهور كراماته سقط عن مقامات المرسلين والنبيين ، وتشمر عن شوق التهديد لهم بهذا ، فقال :
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
. وقال فارس : أخذ عهد حبيبه صلى اللّه عليه وسلّم على من كان قبله من الأنبياء بقوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
فأي شرف أشرف من أخذ اللّه عهده على من كان قبله ، ثم أمرهم بالشهادة له بالعهد ، وضمن أن يكون هو مع الشاهدين معهم ، والشاهدين عليهم ، وإنّما فعل ذلك لئلا يبقي أحدا ممن تقدم وتأخر إلا ، وعليه حجة من اللّه في إرساله رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلّم والإيمان به ، ولا يبقي لأحد بعد ذلك حجة في مخالفته . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 83 إلى 84 ] أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) قوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
أي : أن أصل جميع المراد في طاعتي ، فمن أين يطلبون صفاء العيش ، وفي أكناف قربي لذائذ أنس العارفين ، وفي ألطاف وصلي حلاوة مشاهدة القدس للموحدين ، وفي أطراف سبل عنايتي نجاح الكرامات للصدّيقين ، ومن تمسك بحبال أمال نفسه فهو عن عين عبوديتي منحرف ، ومن زاغ عن عبادتي فهو عن مشاهدة وحدانيتي وفردانيتي منعزل ، ومن عزل عن مشاهدة العبودية ورؤية الربوبية فهو من جملة المبطلين المستدعين الذين تصرفون في غيابات جب الهوى ، ويهيمون في أودية العنا والجفا
هامش
( 1 ) ذكره ابن عجيبة في « البحر المديد » ( 5 / 100 ) .