تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ويكون الهمّ على هذا التّفسير ضروريّا ولا طلب في الضّروريّات ، وأقول إنّه إن كان همّ مكتسبا لهمّه ولم يفعل فلا لوم ولا ذنب ، بدليل الحديث المتقدّم الذي منه قوله - عليه السّلام « 1 » - « ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا » معناه : لم يكتب له صغيرة ولا كبيرة . وجاء في حديث آخر « 2 » : « أنّ تارك الخطيئة من أجل اللّه تكتب له حسنة » ، بدليل قوله تعالى للملائكة : اكتبوها له حسنة فإنما تركها من جرّاي ، أي من أجلي . وهذا ينظر إلى قول اللّه تعالى :
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 25 / 70 ] وإذا كان هذا في حقّ الرعية ، فالأنبياء - عليهم السّلام - أولى بهذا التّرك لا محالة ، كيف وقد أثنى اللّه تعالى عليه ونزّهه بقوله عندما قالت :
هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
[ يوسف : 12 / 23 ] ، فهذا ممّا يدلّ على أنّه تركها من أجل اللّه ، وأنه مأجور في تركها . وإذا كان هذا فلا ذنب ولا عتب يلحق يوسف - عليه السّلام - صغيرا ولا كبيرا ، بل يكون مأجورا في التّرك . فهذه أقوال تشاكه « 3 » الصّواب وتليق بالأكابر . والأظهر : القول الأخير من هذه الأقوال لكونه معضودا بالخبر والآية ، واللّه أعلم . فإن قيل : فإذا لم يتصوّر في حقّ يوسف - عليه السّلام - ذنب ولا عتب فلأيّ شيء قال بعد ما أنصفته امرأة العزيز وأقرّت بفعلها
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
[ يوسف : 12 / 53 ] .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) في صحيح مسلم 1 / 118 من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « قالت الملائكة : ربّ ! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيّئة ( وهو أبصر به ) ؛ فقال : ارقبوه ، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، إنّما تركها من جرّاي » . ( 3 ) أي تشابهه .
تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 59 | علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير ) / محمد رضوان الداية