تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
تتجدد ، على عين لا تتعدّد ، بأحكام لا تنفد ، فهذا الخلق الجديد الذي أكثر الناس منه في لبس وشك ما هو إلا الاستحالة ، فإن العالم كله محصور في ثلاثة أسرار : جوهره وصوره والاستحالة ، وما ثم أمر رابع ، فلا يزال العالم يستحيل دائما من الدنيا إلى الآخرة ، والآخرة بعضها إلى بعض ، كما استحال منها ما استحال إلى الدنيا ، كما ورد في الخبر في النيل والفرات وسيحان وجيحان أنها من أنهار الجنة ، استحالت فظهرت في الدنيا ، بخلاف الصورة التي كانت عليها في الآخرة ، فالاستحالة دائما وأبدا في الدنيا ، ثم نستحيل إلى البرزخ ، وإذا استحلنا من البرزخ إلى الصور التي يكون فيها النشر والبعث سميت تلك الآخرة ، ولا يزال الأمر في الآخرة في خلق جديد منها فيها ، أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، إلى ما لا يتناهى ، فلا نشاهد في الآخرة إلا خلقا جديدا في عين واحدة ، فالعالم متناه لا متناه ، ومن ذلك تعلم أن العالم لا يخلو في كل نفس من الاستحالة ، ولولا أن عين الجوهر من الذي يقبل هذه الاستحالة في نفسه واحد ثابت لا يستحيل من جوهره ، ما علم حين يستحيل إلى أمر ما ما كان عليه من الحال قبل تلك الاستحالة ، غير أن الاستحالات قد يخفى بعضها ويدق ، وبعضها يكون ظاهرا تحس به النفس ، أمر اللّه تبارك وتعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول
( رَبِّ زِدْنِي عِلْماً )
أي ارفع عنّي اللبس الذي يحول بيني وبين العلم بالخلق الجديد ، فيفوتني خير كثير حصل في الوجود لا أعلمه ، والحجاب ليس إلا التشابه والتماثل ، ولولا ذلك لما التبس على أحد الخلق الجديد الذي للّه في العالم في كل نفس بكل شأن ، فقال تعالى :
« بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ »
أي إنهم لا يعرفون أنهم في كل لحظة في خلق جديد ، فما يرونه في اللحظة الأولى ما هو عين ما يرونه في اللحظة الثانية ، وهم في لبس من ذلك ، وبذلك يكون الافتقار للخلق دائما وأبدا ، ويكون الحق خالقا حافظا على هذا الوجود وجوده دائما ، بما يوجده فيه من خلق جديد لبقائه .
فانظر فديتك فيما قد أتيت به * فالعلم يدرك ما لا يدرك البصر
فرجال العلم أولى بالعبر * ورجال العين أولى بالنظر
فالذي يوصف بالعقل له * قوة تخرجه عن البصر
والذي يوصف بالكشف له * صورة تسمو على كل الصور
فتراه دائما في حاله * ظاهرا من غير إلى غير
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 170 | ابن عربي / محمود محمود الغراب