تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
عين الكثرة ، فقوله تعالى :
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »
يعني أنه بأسمائه أقرب إلينا منا ، فوصف الحق نفسه بالقرب من عباده ، وما خص إنسانا من إنسان ، فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي ، كما قال :
( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ )
فهو تعالى أقرب إلينا من أنفسنا ، لأن حبل الوريد منا ، والحبل الوصل ، فهو أوصل ، فإنه ما كان الوصل إلا به ، فبه نسمع ونبصر ونقوم ونقعد ونشاء ونحكم ، وهذه الأحكام ليست لحبل الوريد ، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، فإن غاية حبل الوريد منا الذي جاء له ما للعروق من الحكم في أنها مجرى الحياة وسكك الدم ، فكان الحق أقرب إلى العبد من نفسه ، فإنه أتى بأفعل من ، فثمّ قريب وأقرب ، فهو قريب بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا ، كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أقرب فإنه معنا أينما كنا ، فهو تعالى أقرب من حبل الوريد ، إلى كل شقي وسعيد ، وفي هذه الآية من رحمة اللّه بخلقه ما لا يقدر قدره إلا العارفون به ، فلنا بهذه الآية جوار ، وللجار حق مشروع ، فينبغي للإنسان أن يحضر هذا الجوار الإلهي عند الموت ، حتى يطلب من الحق ما يستحقه الجار على جاره من حيث ما شرع ، وهو قوله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول
( قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ )
أي الحق الذي شرعته لنا ، فعاملنا به حتى لا ننكر شيئا منه مما يقتضيه الكرم .

[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 17 إلى 18 ]

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 )

[ « ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »

الآية : ] وكّل اللّه تعالى بالعباد ملائكة يكتبون ما تلفظوا به من كلمات ، وظهر الكفر في العالم والإيمان ، بأن تكلم كل شخص بما في نفسه من إيمان وكفر ، وكذب وصدق ، لتقوم الحجة للّه على عباده ظاهرا بما تلفظوا به ، فأنفاس الإنسان عليه معدودة ، وتصرفاته محدودة ، قال تعالى :
« ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ »
سمى الكلام باللفظ ، لأن اللفظ الرمي ، فرمت النفس ما كان عندها مغيبا بالعبارة إلى أسماع السامعين ، والملائكة الكتاب لا يكتبون على العبد من أفعاله السيئة إلا ما تكلم بها ، وهو قوله تعالى :
« ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »
وهو الكاتب ، فالملك الحافظ الكاتب عند الإنسان كل ما لفظ كتبه الملك ، فلا يكتب إلا ما
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 172 | ابن عربي / محمود محمود الغراب