تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعا ينازعه في حضرته ، ويثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه وسابق علمه وكلمته التي لا تتبدل .

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 8 ) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 9 )

[ الورع في إطلاق لفظتي الرسول والملك : ]

اعلم أن من الورع أن لا تنزل إلى ما اختصت به الأنبياء والرسل من الإطلاق ، فيتورع أن يطلق على أحد ممن ليس بنبي ولا رسول اللفظ الذي اختصوا به ، فيطلق على الرسل الذين ليسوا برسل اللّه لفظ الورثة والمترجمين ، فيقال : وصل من السلطان الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا وكذا ، فلا يطلق على المرسل ولا على المرسل إليه اسم الملك ورعا وأدبا مع اللّه ، ويطلق عليه اسم السلطان ، فإن الملك من أسماء اللّه ، فيجتنب هذا اللفظ أدبا وحرمة وورعا ، ولم يرد لفظ السلطان في أسماء اللّه ، ويطلق على الرسول الذي جاء من عند السلطان اسم الترجمان ، ولا يطلق عليه اسم الرسول ، لأنه قد أطلق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيجعل هذا الاسم من خصائص النبوة والرسالة الإلهية أدبا مع رسل اللّه عليهم السلام ، وإن كان اللفظ قد أبيح ولم ينه عنه ، ولكنه لم يوجب علينا ، فكان لزوم الأدب أولى مع من عرّفنا اللّه أنه أعظم منا منزلة عنده ، وهذا لا يعرفه إلا الأدباء الورعون

[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 10 ]

إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 10 )
« إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ »
فنفاه بعد ما أثبته صورة ، كما فعل به في الرمي سواء ، أثبته ونفاه ،

[ « يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »

الآية : ] ثم جعل اللّه يده في المبايعة فوق أيدي المبايعين فقال :
« يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »
فنزّل الحق يد نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم منزلة يده في المبايعة ، ويد اللّه تأييده وقوته ، وما شهد الخلق المبعوث إليهم إلا الرسول ، فظاهره خلق وباطنه حق ، ولما كان الحق تعالى الإمام الأعلى
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 153 | ابن عربي / محمود محمود الغراب